الجاحظ

149

البخلاء

درّ الحارث ابن كلدة « 1 » حين زعم أن الدواء هو الأزم « 2 » ، وأن الداء هو إدخال الطعام في إثر الطعام . أي بنيّ ! لم صفت أذهان العرب ، ولم صدقت إحساس الأعراب ، ولم صحّت أبدان الرهبان ، مع طول الإقامة في الصوامع ، وحتى لم تعرف النقّرس « 3 » ولا وجع المفاصل ولا الأورام ، إلا لقلة الرزء « 4 » من الطعام ، وخفة الزاد والتّبلغ باليسير ؟ أي بنيّ ! إن نسيم الدنيا وروح الحياة ، أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون بقصر العمر خليقا . وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح المعاد ، وكثرة المال ، والقرب من عيش الملائكة . أي بنيّ ! لم صار الضب « 5 » أطول شيء عمرا ، إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم ؟ ولم زعم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن الصوم وجاء « 6 » ، إلا ليجعل الجوع حجازا دون الشهوات ؟ افهم تأديب اللَّه فإنه لم يقصد به إلا إلى مثلك . أي بنيّ ! قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ ، ولا تحرّك لي عظم ، ولا انتشر لي عصب ، ولا عرفت دنين أذن ولا سيلان عين ، ولا سلس بول ، ما لذلك علَّة إلا التخفيف من الزاد . فإن كنت تحب

--> « 1 » الحارث بن كلدة هو الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب في عصره ، وأحد الحكماء المشهورين من أهل الطائف . مولده قبل الاسلام . « 2 » الأزم : الامساك عند الطعام والشراب . « 3 » النقرس : اورام تحصل في مفاصل الاقدام . « 4 » الرزء : صوت البطن . أصاب منه شيئا . « 5 » الضب : حيوان من الزحافات . « 6 » وجاء : مانع الشهوات .