الجاحظ

145

البخلاء

الأرض وقالوا : كان لونه أدمة لون الأرض ، وأن المسيح إنما سميّ المسيح لأنه مسح بدهن البركة . وقال بعضهم : لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد ، وكان كأنه ماسح يمسح الأرض . أعاجيب ابن عبد الرحمن ثمّ رجع الحديث إلى أعاجيب أبي عبد الرحمن : وكان أبو عبد الرحمن « 1 » يعجب بالرؤوس ويحمدها ويصفها . وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحى ، أو من بقيّة أضحيته « 2 » ، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة . وكان سمّى الرأس « عرسا » لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة . وكان يسمّيه مرّة « الجامع » ، ومرّة « الكامل » . وكان يقول : « الرأس شيء واحد ، وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة « 3 » . وكل قدر وكل شواء فإنما هو شيء واحد ، والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة ؛ وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة ؛ وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخرّ العين وطعمها على حدة ، على أن هذه الشحمة خاصّة أطيب من المخّ وأنعم من الزبد وأدسم من السّلاء « 4 » ؛ وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة ، وفيه الخيشوم « 5 » والغضروف « 6 » الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة ؛ وفيه لحم الخدّين وطعمه شيء على حدة » ، حتّى يقسّم اسقاطه الباقية . ويقول : « الرأس سيّد البدن ، وفيه الدماغ ، وهو معدن العقل ، ومنه يتفرّق

--> « 1 » من بخلاء الجاحظ ، وهو أبو عبد الرحمن الثوري . « 2 » أضحيته : ما يذبح من حيوان في عيد الأضحى . « 3 » طعوم مختلفة : مآكل متنوعة . « 4 » السلاء : السمن المذوب . « 5 » الخيشوم : الانف . « 6 » الغضروف : عظيم رقيق لين .