الجاحظ
127
البخلاء
تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل ابتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك . ومتى لم تعدّ الشهوة فتنة والهوى عدوّا ، اغتررت لهما وضعفت عنهما ، وائتمنتهما على نفسك ، وهما أحضر عدوّ وشرّ دخيل . فاضمنوا لي النزوة « 1 » الأولى ، أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر ، وثبات العزّ في قلوبكم والغني في أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم . فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظَّما عند من لم ينل منك قط درهما ، لكان الفضل في ذلك بيّنا والربح ظاهرا . ولو يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر ، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير ، وفي جلسائه من هو أوجب حرمة ، وأقدم صحبة وأصدق محبة ، وأمتع إمتاعا ، وأكثر فائدة وصوابا ، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد ، ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالا أو يوزّع بينهم طرفا « 2 » ، لجعل حظ الموسر « 3 » أكثر ، وإن كان في كل شيء دون أصحابه ، وحظ المخفّ أقل ، وإن كان في كل شيء فوق أصحابه . قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون « 4 » ، ومذهب الحزامي ، وقصص الكندّي ، وأحاديث الحارثي ، واحتجاجاتهم ، وطرائف بخلهم ، وبدائع حيلهم . قصة محمد بن أبي المؤمل : قلت لمحمد بن أبي المؤمل : أراك تطعم الطعام وتتخذه ، وتنفق المال وتجود به . وليس بين قلة
--> « 1 » النزوة : القصر في الأشياء - أي الرغبة الضعيفة وهنا يريد القضاء عليها وقهرها . « 2 » الطَّرف : الشيء الجديد . « 3 » الموسر : الغني . « 4 » وردت الرسالة في مقدمة الكتاب .