الجاحظ

121

البخلاء

تعرض لأكثر مما أنكره . قال رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « الجار قبل الدار ، والرفيق قبل الطريق » . وزعمتم أن تسقّط الكراء أهون ، إذا كان شيئا بعد شيء . وإن الشدائد إذا وقعت جملة ، جاءت غامرة للقوة فأما إذا تقطَّع وتفرّق ، فليس يكترث لها إلا من تفقّدها وتذكَّرها . ومال الشراء يخرج جملة ، وثلمته « 1 » في المال واسعة ، وطعنته نافذة . وليس كل خرق يرقع ، ولا كل خارج يرجع . وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل أسطوان « 2 » وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل ، وأنه أما لا يزال في بلاء ، وإما أن يكون متوقعا لبلاء . وقلتم : إن كان تاجرا فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح ، وتحويله في أصناف البياعات أكيس « 3 » . وإن لم يكن تاجرا ، ففي ما وصفناه له ناه ، وفيما عددنا له زاجر « 4 » . فلم تمنعكم حرمة المساكنة وحقّ المجاورة والحاجة إلى السكنى وموافقة المنزل ، إن أشرتم على الناس بترك الشراء . وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور ، وجرأة للمستأجر ، واستحطاط « 5 » من الغلة ، وخسران في أصل الماء . وزعمتم أنكم قد أحسنتم الينا حين حثثتم الناس على الكراء ، لما في ذلك من الرخاء والنماء . فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء ، بل إنما أردتم أن تضرّونا بتزهيدكم في الشراء . وليس ينبغي أن يحكم عن كل قوم إلا بسبيلهم ، وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم . فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم ، وكلها حجة عليكم ، وكلها

--> « 1 » الثلمة : شقوق وفجوات تظهر في الجدار . « 2 » أسطوان : العمود . « 3 » أكيس : أحسن وأظرف وهو يقصد الربح الوفير . « 4 » زاجر : رادع . « 5 » استحطاط : اقلال ، إنقاص المحصول .