الجاحظ
110
البخلاء
طفيلي الشراب أهون عليّ من طفيلي الطعام . وقول الناس : « فلان طفيلي » ، ليس من أصول كلام العرب ، ليس كالراشن اللَّعموظ « 1 » . وأهل مكة يسمونه البرقيّ . وكان بالكوفة رجل من بني عبد اللَّه بن غطفان ، يسمى « طفيل » « 2 » : كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس ، فقيل له لذلك « طفيل العرائس » ، وصار ذلك نبزا « 3 » له ، ولقبا لا يعرف بغيره . فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له « طفيلي » . هذا من قول أبي اليقظان « 4 » . ثم قال الحارثي : وأعجب من كل عجب ، وأطرف من كل طريف ، أنكم تشيرون عليّ بإطعام الأكلة ، ودفعي إلى الناس مالي . وأنتم أترك لهذا مني . فإن زعمتم أني أكثر مالا ، وأعد عدة ، فليس بين حالي وحالكم في التقارب ، أن أطعم أبدا ، وأنتم تأكلون أبدا . فإذا أتيتم في أموالكم من البذل والإطعام ، على قدر احتمالكم ، عرفت بذلك أن الخير أردتم ، وإلى تزييني ذهبتم . وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره . بل أنتم كما قال الشاعر : يحبّ الخمر من مال الندامى ويكره أن تفارقه الفلوس ثم قال : واللَّه إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم ، إلا لسوء رعة عليّ الأسواري ، لتركته . وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرّقا ، فبلع ضرسه ، وهو لا يعلم . فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب ، مولى
--> « 1 » اللعّموظ : الحريص الشهوان للطعام الذي يخدم بطعام بطنه . « 2 » طفيل : هو طفيل بن زلال . « 3 » النبز : لقب فيه معنى للذم . « 4 » هو سحيم بن حفص أحد رواة الاخبار .