الجاحظ

11

البخلاء

عادات العرب وتقاليدهم ، فكان منها انتشار البخل ، وخاصة في العراق إبّان القرن الثالث الهجري . والحقيقة ، فإن غاية الكتاب تتعدّى الضحك والمرح ، لتغدو أعمق وأشد ، فإذا هي أقرب إلى الردع والتأنيب ، والهزء والسخرية ، وذلك من أجل المنفعة العامة والاستفادة من أعمال البخلاء الشاذة استفادة تجعلهم يميلون إلى الكرم من غير إسراف ، وإلى الجود في غير اقتصاد . وهناك فريق آخر من الدارسين رأى أن كتاب « البخلاء » ما وضع إلا لأن الجاحظ كان واحدا من أولئك البخلاء ، ولذلك تمكَّن من معرفة أحوالهم بدقة ، كاشفا حقائقهم كما هي بصدق وواقعية . والواقع أن كتاب البخلاء يعتبر من الكتب النفيسة بمكان ، لأنه دراسة واقعية لردة فعل اقتصادية . ومن أجل ذلك أفرد الجاحظ كتابا خاصا بالبخل صوّر هذه الحالة ، وتغلغل أيضا بين طوايا النفس البشرية ، وتفهّم نزعاتها ، وحلَّل أعمالها ، ودرس نفسياتها ، وقد قال : « ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء تبيّن حجّة طريفة ، أو تعرّف حيلة لطيفة ، أو استفادة نادرة عجيبة » . لقد اتّبع الجاحظ أسلوبا قصصيا إخباريا يربط الأخبار بعضها ببعض . وكانت أقصوصة البخيل قصيرة ، لكنها جمعت عناصر القصة الكاملة ، من مقدمة وعرض وعقدة ، إلى حل وخاتمة . ولم تكن أقاصيص الجاحظ خاوية فارغة ؛ بل كانت نابضة مليئة بالحياة تستمد موضوعاتها من وحي فريق من الأشحاء المسجديين والخراسانيين وغيرهم ، اختاروا أحاديثهم ، وانتقوا ألفاظهم بأنفسهم . من هنا نضجت أقصوصة البخيل عند أبي عثمان ، واستمرت حارة دافئة يقظة ، تدفىء النفس فتثيرها ، وتوقظ العقل فتحركه تارة بين الاسترخاء والاستمتاع ، وطورا بين التصوير والتحكيم . وقد تمّيز كتاب « البخلاء » بخصائص هامة كان منها الموضوعية التي برزت