الجاحظ
106
البخلاء
سمّوا عمرو بن عبد مناف بهاشم ، حين هشم الخبز « 1 » ، واتخذ منه الثريد ، حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك . عوف بن القعقاع وقال عوف بن القعقاع لمولاه : اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم . قلتم : فلما رأى الخبز الرّقاق والغلاظ والشّواء ، والألوان ، واستطراف الناس للون بعد اللون ، ودوام أكلهم لدوام الطَّرف ، وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان أقلّ لأكلهم ، قال : فهلَّا جعلته طعام يد ، ولم تجعله طعام يدين . فقلتم : اتسع ثم ضاق ، حين أراد إطعامهم الثّريد والحيس « 2 » ، وكل ما يؤكل بيد دون يدين . وابن القعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم ، وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه . وعلى أن الترفة « 3 » تفنّخهم « 4 » وتفسدهم ، وأنّ الذي فتح عليهم من باب التّرفة أشد عليهم مما أغلق عليهم من باب فضول اللذة . وقد فعل عمر ، من جهة التأديب ، أكثر من ذلك ، حين دعي إلى عرس ، فرأى قدرا صفراء ، وأخرى حمراء ، وواحدة مرّة ، وأخرى حلوة ، وواحدة محمضة . فكدرها كلها في قدر عظيمة . وقال : إن العرب إذا أكلت هذا ، قتل بعضها بعضا . تفسير كلام أبي فاتك : أما قوله : الفتى لا يكون نشّالا ؛ « فالنشّال » ، عنده ، الذي يتناول
--> « 1 » هشم الخبز : كسّره وقطعّه لطبخ الثريدة وقد أشرنا إليها سابقا . « 2 » الحيس : تمر مدقوف نزعت منه نواه يعجن بالسمن . « 3 » الترفة : الترف ، النعيم . « 4 » يفنخّهم : يفسد سلوكهم .