الجاحظ

101

البخلاء

إليّ أسرع ، وفي لحمي أرتع « 1 » . ثم قال : وفي الجارود بن أبي سبرة « 2 » لكم واعظ ، وفي أبي الحارث جميّن زاجر . فقد كانا يدعيان إلى الطعام ، وإلى الإكرام ، لظرفهما ، وحلاوتهما ، وحسن حديثهما ، وقصر يومهما . وكانا يتشهيان الغرائب ، ويقترحان الطرائف ، ويكلفان الناس المؤن الثقال « 3 » ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد . فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم . بلال بن أبي بردة قال : من ذلك أن بلال بن أبي بردة « 4 » كان رجلا عيّابا ، وكان إلى أعراض الأشراف متسرعا ، فقال للجارود : كيف طعام عبد اللَّه بن أبي عثمان ؟ قال : يعرف وينكر . قال : فكيف هو عليه ؟ قال : يلاحظ اللقم ، وينتهر السائل . قال : فكيف طعام سلم بن قتيبة « 5 » ؟ قال : طعام ثلاثة ، فإن كانوا أربعة جاعوا . قال : فكيف طعام تسنيم ابن الحواري ؟ قال : نقط العروس . قال : فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة ؟ قال : يقول : لا خير في ثلاث أصابع في صحفة . حتى أتى على عامة أهل البصرة ، وعلى كل ، من كان يؤثره بالدعوة ، وبالآنسة ، والخاصة ، ويحكمه في ماله . فلم ينج منه إلا من كان يبعده ، كما لم يبتل به إلا من كان يقرّبه .

--> « 1 » وانهم إلي اسرع وفي لحمي ارتع : اي انهم اسرع إلى شتمي والنيل مني . « 2 » الجارود بن أبي سبرة : كان شاعرا متشيّعا حسن الحديث . « 3 » المؤن الثقال : الأعباء الصعبة . « 4 » بلال بن أبي بردة : هو ابن موسى الأشعري كان قاضيا وأميرا . « 5 » سلم بن قتيبة : كان واليا على البصرة .