الزركشي
199
البحر المحيط في أصول الفقه
واختاره ابن الحاجب والصيدلاني لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ولأن المناسبة أمر عرفي والمصلحة إذا عارضها ما يساويها لم تعد عند أهل العرف مصلحة والثاني اختاره الرازي والبيضاوي أنها لا تبطل واختاره الشريف في جدله وربما نقل عن ظاهر كلام الشافعي والمعنى من انخرامها وبطلانها هو أنه لا يقتضي العقل مناسبتها للحكم إذ ذاك فلا يكون لها أثر في اقتضاء الحكم لا أنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة وذهابها عنه فإن ذلك لا يكون معارضا . واعلم أن النزاع إنما هو في اختلال المناسب المصلحي بمعارضة مثله أو أرجح منه في المفسدة أما العمل به فممنوع ممن أثبت اختلال المناسبة وأما من لم يثبته تصرف في العمل به على ما سبق بالترجيح بينهما والواجب هاهنا امتناع العمل به للزوم الترجيح بلا مرجح أو التزام المفسدة الراجحة فيستوي الفريقان في ترك العمل به لكن اختلفا في المأخذ فالأول يتركه لاختلال مناسبة الوصف والآخر يتركه لمعارضة المقاوم أو الراجح فترك العمل متفق عليه لكن طريقه مختلف فيه كذا قاله بعضهم . وقد حقق الأصفهاني الخلاف فقال اعلم أن ذات الوصف مغايرة للمناسبة قطعا فإن كان المدعي أن ذات الوصف المصلحي تبطل إذا عارضتها مفسدة فليس كذلك فإن ذات الوصف أمر حقيقي لا تبطل بالمعارضة وإن كان المدعي أن مناسبته تبطل ومعنى المناسبة اقتضاؤها للحكم واستدعاؤها له فالحق أنها تبطل وإن شئت قلت العمل بمقتضى المناسبة يستدعي سلامتها عن المعارض والمعنى بالمناسبة على هذا كون الوصف مصلحيا . واعلم أن الخلاف في هذه المسألة إنما يتجه من القائلين بعدم تخصيص العلة أما من قال بتخصيصها فيقول ببقاء المناسبتين أو اجتماع جهتي المصلحة والمفسدة . التفريع إن قلنا إنها تبطل التحق الوصف بالطرديات ولا يجوز التعليل به إلا بترجيح المصلحة على المفسدة كأن يقال الحكم في الأصل مضاف إلى المصلحة الفلانية وهي راجحة على ما عارضها من المفسدة وإلا لزم الحكم مضافا إلى غير تلك المصلحة المرجوحة أو إلى مصلحة أخرى غيرها أو لا يكون مضافا إلى شيء أصلا والكل باطل . وإن قلنا لا تبطل بقي الوصف على مناسبته ويصح التعليل به ويحتاج المعارض إلى أصل يشهد له بالاعتبار .