الزركشي
579
البحر المحيط في أصول الفقه
أحكامها لا أعيانها ومنعه يسد على المجتهد باب استخراج الأدلة ويستلزم منع كل قول لم يتعرض له الأولون نعم إن أجمعوا على إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفته الإجماع . وحكى صاحب الكبريت الأحمر مذهبا ثالثا بالوقف وذهب ابن حزم وغيره إلى التفصيل بين النص فيجوز الاستدلال به وبين غيره فلا يجوز وذهب ابن برهان إلى خامس وهو التفصيل بين الدليل الظاهر فلا يجوز إحداثه وبين الخفي فيجوز لجواز اشتباهه على الأولين . ومثل الظاهر بقول ابن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا في مسألة المطاوعة سبق فطرها جماعها فلا يجب عليها الكفارة قياسا على ما إذا شرب أو أكل قال لأن أول الحشفة دخل إلى جوفها قبل دخول تمام الحشفة والجماع لا يتحقق إلا إذا تغيب الحشفة . قلنا : ومثل هذا لا يجوز أن يكون مستندا قبل وصول تمام الحشفة لأن الناس اختلفوا في هذه المسألة فإحداث مثل هذا الدليل لا يجوز لأن مثله لا يجوز أن يشتبه على الأولين . هذا كله إذا لم يتعرضوا لذلك الدليل فإن نصوا على صحته فلا شك فيه أو على فساده لم تجز مخالفتهم وإنما الخلاف حيث لم ينصوا على ذلك والصحيح الجواز قال أبو الحسين البصري إلا أن يكون في صحتها إبطال حكم ما أجمعوا وقال سليم إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ذكرناه فيمتنع . قلت : وهذا منهم بناء على صحة ذلك منهم وقد سبق في الفصل السادس فيه تفصيل عن القاضي عبد الوهاب . أما إذا اعتلوا بعلة وقلنا يجوز تعليل الحكم بعلتين فهل يجري مجرى الدليل في الجواز والمنع قال الأستاذ أبو منصور وسليم في التقريب نعم هي كالدليل في جواز إحداثها إلا إذا قالوا لا علة لهذه أو لكون العلة الثانية تخالف العلة الأولى في بعض الفروع فتكون الثانية حينئذ فاسدة وقال القاضي عبد الوهاب ينظر فإن كان بحكم عقلي علمنا أن ما عداه ليس بعلة لذلك الحكم لأن الحكم العقلي لا يجب بعلتين فمن جوزه جعلها كالدليل لا يمنع التعدد إلا أن ذلك مشروط بأن لا تنافي العلة الثانية علتهم وأن لا يؤدي إلى خلافهم فرع من فروع علتهم لأنهما إذا تباينا امتنع لذلك لا لتعليل بهما ومن منع التعليل بعلتين فيجب على أصله منع