الزركشي
523
البحر المحيط في أصول الفقه
وهذا ليس محل الخلاف فإن المجتهد ما دام في مهلة النظر لا يكون قول غيره حجة عليه فإن رجع أهل الحل والعقد إلى واحد قال الغزالي رحمه الله لم يكن قوله حجة لأن اسم الإجماع يستدعي عددا فلا أقل من اثنين أو ثلاثة . والمذهب انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري رحمه الله وأبي الحسين بن الخياط من معتزلة بغداد أستاذ الكعبي وزاد القاضي عبد الوهاب وابن الأخشاد من أصحاب الجبائي وهو رواية أحمد بن حنبل ثم رده بمخالفة الصديق جميع الصحابة في قتال الردة ثم رجعوا إليه وإلى هذا المذهب يميل كلام الشيخ أبي محمد الجويني فإنه قال في كتابه المحيط والشرط أن يجمع جمهور تلك الصنعة ووجوههم ومعظمهم ولسنا نشترط قول جميعهم وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين من لم يسمع به فإن السلف الصالح كانوا يعلمون ويستسرون بالعلم فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير ولا يعلم ذلك جاره قال والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر انعقدت خلافته بإجماع الحاضرين ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض البلدان ومن حاضري المدينة من لم يحضر السقيفة ولم يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين . قال الهندي والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي وبه يشعر إيراد بعضهم واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي عنه وأجيب بأن الشذوذ المنهي عنه هو الشاق لعصا المسلمين لا في أحكام الاجتهاد وقال الأستاذ أبو إسحاق ثم إن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه المسألة فينبغي أنه لا يعتبر خلافه ويكون مخالفا للإجماع بعين ما ذكر . والثالث : حجة وليس بإجماع ورجحه ابن الحاجب فإنه قال لو عد المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعا قطعيا والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف . والرابع : أن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم يعتبر بالإجماع دونه وإلا اعتد به حكاه الآمدي وقال القاضي أبو بكر إنه الذي يصح عن ابن جرير قيل وهو مبني على أن مستند الإجماع العقل لا السمع وأن الإجماع يشترط له عدد التواتر إذ التواتر يفيد العلم فيجوز أن يكون الحق مع الأقل المخالف فلا ينعقد الإجماع دونه لأنه ليس بقاطع إذن .