الزركشي
354
البحر المحيط في أصول الفقه
تفريع [ هل يكفي في الجرح المجمل ] : وإذ ثبت أن بيان السبب في الجرح شرط قال أصحابنا ومنهم الصيرفي وابن فورك والقاضي أبو الطيب لا يقبل قولهم فلان ليس بشيء ولا فلان ضعيف ولا لين ماذا بالكذاب استفسر وقيل له ما تعني أتعمد الكذب فإن قال نعم توقف في خبره وإلا فلا لأن الكذب لغة يحتمل الغلط ووضع الشيء في غير موضعه ومنه قوله كذب أبو محمد في حديث الوتر يعني غلط . وادعى النووي في شرح مسلم أن معنى قولهم لا يقبل الجرح المطلق وجوب التوقف عن العمل بحديثه إلى أن يبحث عن السبب قلت وفيه نظر لما سبق ويحتمل التفصيل بين من عرفت عدالته فلا أثر للجرح المطلق وبين غيره . واستثنى ابن القطان المحدث من هذا الأصل ما إذا كان الراوي لا يعلم حاله ولا وثقه موثق قال فيقبل فيه الجرح وإن لم يفسر ما به جرحه لأنا قد كنا نترك حديثه بما عدمنا من معرفة ثقته قلت وفي الحقيقة لا يستثنى . وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن محمد بن نصر المروزي أن من ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحملهم حديثه فليس يقبل فيه تجريح أحد حتى يثبت عليه ذلك بأمر لا يجهل يكون به جرحه فأما قولهم فلان كذاب فليس مما يثبت به جرح حتى يبين ما قاله ووافقه على ذلك . وأنكره عليهما أبو الحسن بن المفوز وقال بل الذي عليه أئمة الحديث قبول تعديل من عدل وتعديل وتجريح من جرح لمن عرف واشتهر بأمانته ومعرفته بالحديث لا خلاف بينهم فيه . إذا تعارض الجرح المفسر والتعديل في راو واحد فأقوال : أحدها يقدم الجرح مطلقا وإن كان الذي عدل أكثر وهذا ما جزم به الماوردي والروياني وابن القشيري وقال نقل القاضي فيه الإجماع ونقله الخطيب والباجي عن جمهور العلماء وقال الآمدي والرازي وابن الصلاح إنه الصحيح لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل . قال ابن دقيق العيد وهذا إنما يصح مع اعتقاد المذهب الآخر وهو أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا وبشرط آخر وهو أن يكون الجرح بناء على أمر مجزوم به أي بكونه جارحا لا بطريق اجتهادي كما اصطلح أهل الحديث على الاعتماد في الجرح