الزركشي
288
البحر المحيط في أصول الفقه
بأن المعنى لكاذبون في الشهادة لأنها تتضمن التصديق بالقلب فهي إخبار عن اعتقادهم وهو غير موجود أو كاذبون في تسميتهم إخبارهم شهادة لأن الإخبار إذا خلا عن مواطأة القلب لم يكن في الحقيقة شهادة أو لكاذبون في المشهود به في زعمهم لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه لأنهم كانوا يعتقدون أنه غير مطابق للواقع فيكون كذبا عندهم وقد يقال إن المنافقين كانوا يعلمون نبوة الرسول وإنما ينكرونها بألسنتهم . واحتج القاضي أبو بكر للمشهور ب لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ولقد علم أن القائلين لذلك غير عالمين بأنه تعالى ليس ما أخبروا عنه فدل على أن التكذيب باعتبار الواقع وأصرح منها قوله وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإنه يدل على أن الاعتبار في الكذب بالمطابقة الخارجية أو بها مع الاعتقاد . فائدة : مما يتفرع على هذا الخلاف لو أقام المدعي بينة ثم قال هي كذب امتنع الحكم بها وفي بطلان دعواه وجهان اختيار صاحب التقريب نعم لأن الكذب عند الجمهور عدم مطابقة الخبر لما في الخارج وإن لم يعلم الشخص ذلك وأصحهما المنع لاحتمال أن يريد بكذب الشهود أنهم أخبروا عن غير علم فلهم حكم الكاذبين إذ رضوا بخبر يجوزن كذبه جوازا غير بعيد وذلك رضى بالكذب . الموطن الثالث : في انحصاره في ذي الصدق والكذب : المشهور أنه لا واسطة بين الصدق والكذب بدليل قوله تعالى وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين وقوله عليه السلام من كذب علي متعمدا لدلالته على انقسام الكذب إلى عمد وغيره وقول ابن عباس كذب نوف أي البكالي ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل . ومنهم من أثبت الواسطة واختلفوا فيه على أقوال : أحدها ونقل عن أبي عثمان الجاحظ أن صدقه مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر وكذبه عدمهما وغيرهما ليس بصدق ولا كذب وكأنه أجرى الصدق مجرى العلم فكما أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به من جهة صحته فكذلك الخبر ويجوز أنه راعى أصله الفاسد في التحسين والتقبيح فراعى في كونه صدقا وقوعه حسنا لمفارقة الصدق والكذب في حسن أحدهما وقبح الآخر ولا يكون الخبر حسنا إلا مع المخبر