الزركشي

195

البحر المحيط في أصول الفقه

على الناس بها حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها كما أنزل الله وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها ونسخ صلى الله عليه وسلم سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم سنته صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها كما وصفت انتهى . ومن صدر هذا الكلام أخذ من قبل عن الشافعي أن السنة لا تنسخ بالكتاب ولو تأمل عقب كلامه بان له غلط هذا الفهم وإنما مراد الشافعي أن الرسول إذا سن سنة ثم أنزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم فلا بد أن يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الأولى لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعا ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب وقوله ولو أحدث إلى آخره صريح في ذلك وكذلك ما بعده . والحاصل أن الشافعي يشترط لوقوع نسخ السنة بالقرآن سنة معاضدة للكتاب ناسخة فكأنه يقول لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معا لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معا ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما من الآخر فإن الكل من الله والأصوليون لم يقفوا على مراد الشافعي في ذلك وقد سبق أن هذا أدب عظيم من الشافعي وليس مراده إلا ما ذكرناه فإن قيل يرد عليه الكتاب المنفرد بلا سنة والسنة المنفردة بلا كتاب قيل الحجة في ذلك قائمة بالكتاب والسنة جميعا أما الأول فلتبليغ النبي صلى الله عليه وسلم والعلم باتباعه له ما تواتر عنه من الأمر بطاعة الله وأما الثاني فلقوله وما آتاكم الرسول فاجتمع في كل مسألة دليلان . فإن قيل فهذا حاصل فيما إذا كان أحدهما ناسخا للآخر قيل نعم ولكنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله وأكثر أدبا ومسارعة إلى ما يؤمر به ولا يبقى مكان إزالة الشبهة عن الناس وإزالة عذرهم وذلك يقتضي أنه لا يبقى له سنة تخالف الكتاب إلا بين أنها منسوخة بيانا صريحا بقوله أو فعله حتى لا يتعلق من في قلبه ريب بأحدهما ويترك الآخر وهذا من محاسن الشافعي الذي لم يسبقه غيره إلى الإفصاح به . وقد وقع على هذا المعنى ونبه عليه جماعة من أئمتنا منهم أبو إسحاق المروزي في كتابه الناسخ فقال وقد نقل كلام الشافعي في الرسالتين فذكر الكلام السابق ثم قال وذكر الشافعي في الرسالة القديمة منع نسخ القرآن بالسنة ثم قال وكذلك القرآن لا ينسخ السنة ولو أحدث الله عز وجل لنبيه في سنة سنها غير ما سن الرسول لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا غير السنة الأولى حتى تنسخ سنته الأخيرة سنته الأولى .