الزركشي
171
البحر المحيط في أصول الفقه
لبيت المقدس وهذا مع إبانته لك أن الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة حوله الله عنها إلى سنن أخرى غيرها يصير إليها الناس بعد التي حول عنها لئلا يذهب على عامتهم الناسخ فيثبتون على المنسوخ ولئلا يشتبه على أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسن فيكون في الكتاب شيء يرى بعض من جهل اللسان أو العلم بموقع السنة مع الكتاب بمعانيه أن الكتاب ينسخ السنة . ا ه . كلامه . وليس ذلك مراده بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة أو إباحة إلى حظر أو يجري على حسب أحوال المفروض ومثله بالمناجاة وكان يناجي النبي صلى الله عليه وسلم بلا تقديم صدقة ثم فرض الله تقديم الصدقة ثم أزال ذلك فردهم إلى ما كانوا عليه فإن شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة قال فهذا معنى قول الشافعي فرض مكان فرض فتفهمه . ا ه . والحاصل أنهم ينقلون من حكم شرعي إلى مثله ولا يتركون غير محكوم عليهم بشيء وهذا صحيح موجود في كل منسوخ قال أبو إسحاق معنى قولنا لا ينسخ الشيء إلا بمثله يعني ما لا بد له من الناسخ كالنقل من الحظر إلى الإباحة أو من الفرض إلى الندب أو إلى الفرض فأما إن أريد إسقاطه فنسخه إما أن ينسخ برسم مع ثبوت الرسم الأول فلا يكون ذلك إلا بقرار رسمه وإما برفع رسمه مع حكمه بأن ينسى فيستغني بذلك عن رسم يرفع به كسورة الأحزاب التي كانت تعدل سورة البقرة . وقال ابن القطان قول الشافعي إن النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئا جوابه من وجهين أحدهما أنه أراد أن الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره الثاني أن ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى والفرض الأول قد تغير لأن الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف إنما خفي ذلك علينا وقدر أنه عام في الأزمنة كلها إلا أنه لا بد أن يعلم أن الفرض الأول قد تغير ألا ترى أنه كان خمسين صلاة فكان علينا أن نعتقد أن الكل واجب فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول . ا ه . والحاصل أن الصور أربع : الأولى جواز النسخ بلا بدل لا شك فيه وإنما فيه خلاف المعتزلة .