الزركشي
147
البحر المحيط في أصول الفقه
الوقت وإذا كان الانتهاء واجبا في ذلك لم يحصل الرفع الثاني لأنه قد وجب ارتفاعه وأجيب بأنا لا نسلم أنه إذا تعلق العلم بالانتهاء في ذلك الوقت يمتنع الرفع لجواز أن يكون العلم تعلق بالانتهاء في ذلك الوقت بالحادث فإن العلم يتعلق على ما هو به . وتحرير هذا الخلاف أنهم اتفقوا على أن الحكم السابق له انعدام وتحقق انعدامه لانعدام متعلقه لا لانعدام ذات الحكم واتفقوا على أن الحكم المتأخر اللاحق لا بد وأن يكون منافيا للأول وأن عنده يتحقق عدم الأول ثم اختلفوا في عدم الأول هل هو مضاف إلى وجود الحكم المتأخر فيقال إنما ارتفع الأول لوجود المتأخر اللاحق أو لا يضاف إليه بل يقال الحكم الأول انتهى لأنه كان في نفس الأمر مغيا إلى غاية معلومة لله وقد علمناها بالحكم اللاحق المتأخر فإذن النزاع في استناد عدم السابق إلى وجود اللاحق فالأستاذ يقول الحكم في نفس الأمر لم يكن له صلاحية الدوام لكونه مغيا إلى غاية معلومة معينة لا نعرفها إلا بعد ورود الناسخ فيكون النسخ بيانا وبهذا يندفع وهم من قال إن النزاع لفظي . وقدر ابن المنير كونه لفظا بأن الفقهاء يثبتون رفعا مع البيان والأصوليون يثبتون بيانا مع الرفع وذلك لأن الفقهاء لا ينازعون في أن الحكم المنسوخ كان قبل النسخ ثابتا وهو بعد النسخ غير ثابت وإنما أنكروا رفعا يناقض الإثبات ويجامعه والأصوليون لا ينازعون في أن المكلفين كانوا على ظن بأن الحكم لا ينسخ بناء على أن الغالب في الأحكام القرار وعدم النسخ ثم بالنسخ تبين لهم أن الله تعالى أراد من الأول نسخه في الزمان المخصوص لأن الإرادة قديمة لا بد منها اتفاقا فلا يبقى للخلاف محط وقول ابن الحاجب إن انتهاء غاية الحكم ينافي بقاءه ولا نعني بالرفع إلا ذلك مردود فإن هذا ليس برافع . ومنهم من جعل الخلاف هنا مبنيا على اختلاف المتكلمين في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد فمن قال ببقائها قال إنما ينعدم الضد المتقدم لطريان الطارئ ولولاه لبقي ومن لم يقل ببقائها قال إنه ينعدم بنفسه ثم يحدث الضد الطارئ وليس له تأثير في إعدام الضد الأول . وقال إلكيا زعم القاضي أن النسخ رفع وإنما يستقيم إذا جعلنا النص الأول موجبا حقيقة تاما والموجب هو الله تعالى والوجوب باقتضائه فقد تبين انتهاء الأول في علم الله بالنسخ بأمر يخالف الأمر الأول ويستحيل تقدير وضع أمرين متناقضين في زمان واحد .