الزركشي
508
البحر المحيط في أصول الفقه
الثالث أن الخلاف في أصل هذه المسألة اختلفوا فيه هل هو من جنس الخلاف في القطعيات أو من المجتهدات قال الغزالي يدل كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف لأنه من مسائل الأصول قال وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة غير بالغة مبلغ القطع انتهى وحينئذ فتوقف القاضي إنما هو عن القطع ولا ينكر أن الأرجح التخصيص ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة لأن مسائل هذا الفن عنده قطعية لا ظنية وحينئذ فنحن نوافقه على انتفاء القطع وإنما ندعي أن الظن كاف في العمل فلا نتوقف وهو لا يكتفي بالظن فيتوقف . الرابع أن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى فإن تلك للشافعي فيها قولان ولهذا تردد في نقض الوضوء بالمحارم لأجل عموم أو لامستم النساء والتخصيص بالمعنى وهو الشهوة منتفية فيهم وكذا في القاتل بحق مع حديث القاتل لا يرث وقوله أيما إهاب دبغ فقد طهر استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير وقد نقح إمام الحرمين في النهاية الفارق بين المسائل فقال بعد تجويزه التخصيص بالقياس هذا فيما يتطرق إليه المعنى وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير فالأصل فيه التعلق بالظاهر وتنزيله منزلة النص ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات فيتعين النظر إليه وهذا له أمثلة منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله أو لامستم النساء فجعلها الشافعي على الجس باليد ثم تردد نصه في لمس المحارم من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته فلا يكاد يجري في نفيه فمال الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم النساء وأصح قوليه أن الطهارة لا تنقض بمسهن لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يشعر بلمس اللاتي يقصدن باللمس . قال فإن لم يتجه معنى صحيح دلت القرينة على التخصيص كقوله عليه السلام ليس للقاتل من الميراث شيء فالحرمان لا ينسد فيه تعليل فإذا انسد مسلك التعليل اقتضى الحال التعلق بلفظ الشارع تردد الشافعي في أن القتل قصاصا أو حدا إذا صدر من الوارث فهل يقتضي حرمانه فوجه تعلق الحرمان بكل قتل التعلق بالظاهر