الزركشي

444

البحر المحيط في أصول الفقه

بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة وهو عدم الحكم وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء بلا فرق بين الاستثناء من النفي والإثبات إذ الواسطة حاصلة . نعم يلزم النفي المستثنى من الإثبات عنده بناء على أنه الأصل قبل الحكم بالإثبات أن الاستثناء اقتضى ذلك فإن قيل له علي عشرة إلا درهما كان معناه عنده أن الدرهم غير محكوم عليه باللزوم لا أنه محكوم عليه بعدم اللزوم وحينئذ فعدم اللزوم لازم له بناء على العدم الأصلي ولعل الإمام لهذا السبب خصص الخلاف بالاستثناء من النفي إذ لا يظهر للخلاف في الإثبات فائدة فإن النفي ثابت فيه بالاتفاق لكن المأخذ مختلف فعندنا بسبب الاستثناء وعنده بسبب البقاء على الحكم الأصلي فمن هنا ظن عدم خلافه فيها ولهذا قيل إن أبا حنيفة لا يفرق بين النفي والإثبات من جهة الدلالة الوضعية وإنما يفرق بينهما من جهة الحكم وذلك أن السكوت عن إثبات الحكم يستلزم نفي الحكم بالبراءة الأصلية بخلاف السكوت عن النفي إذ لا مقتضى معه للإثبات فهو يحمل كلام أهل العربية على نفي الحكم النفسي وكلمة التوحيد على عرف الشارع قلت والحنفية موافقون لنحاة الكوفة إذ ذهبوا إلى أن قولك قام القوم إلا زيدا معناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين فيهم زيد وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بقيام ولا بنفي وأبو حنيفة كوفي فلهذا كان مذهبه كذلك ومذهب سيبويه أن الأداة أخرجت الاسم الثاني من الأول وحكمه من حكمه . وهذا الخلاف في الاستثناء المتصل وبه يظهر أن الخلاف في المتصل لا في الأعم من المتصل والمنقطع بل حكى القرافي في العقد المنظوم عن الحنفية أنهم أجروا ذلك في التام والمفرغ نحو ما قام إلا زيد قالوا زيد غير محكوم عليه بالإثبات والمعنى ما قام أحد إلا زيد قال ويلزمهم أن يعربوه بدلا لا فاعلا ويكون الفاعل مضمرا وتقديره ما قام أحد فلا يكون زيد فاعلا والنحاة لا يجيزون حذف الفاعل نحن نقول زيد فاعل بالفعل المنفي السابق قبل إلا وهو الذي نسب إليه عدم القيام فهو غير قائم . واحتج الجمهور بالإجماع على الاكتفاء بلا إله إلا الله في كلمة التوحيد كما قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله .