الزركشي
432
البحر المحيط في أصول الفقه
الشرط الثاني عدم الاستغراق وإلا لتناقض فالاستثناء المستغرق باطل ويبقى أصل الكلام على حاله حكوا فيه الإجماع وفي هذا الإطلاق والنقل نزاع في المذاهب أما المالكية فقد رأيت في كتاب المدخل لابن طلحة من المالكية حكاية قولين عندهم في أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقد حكاه القرافي أيضا عنه ونقل اللخمي من المالكية عن بعضهم في أنت طالق واحدة إلا واحدة لا يلزمه طلاق لأن الندم منتف بإمكان الرجعة بخلاف أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا لظهور الندم . وأما الحنفية فقيدوا البطلان بما إذا كان الاستثناء بعين ذلك اللفظ نحو نسائي طوالق إلا نسائي أو أوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي فإن كان بغيره صح وإن كان مستغرقا في الواقع نحو نسائي طوالق إلا هؤلاء وأشار إليهن وأوصيت له بثلث مالي إلا ألف درهم وهو ثلث ماله كذا ذكره صاحب الهداية في الباب الأول من الزيادات ووجهوه بأن الاستثناء تصرف لفظي مبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم ألا ترى أنه لو قال أنت طالق عشر طلقات إلا ثماني طلقات تقع طلقتان ويصح الاستثناء وإن كانت العشرة لا صحة لها من حيث الحكم ومع هذا لا يجعل كأنه قال أنت طالق ثلاثا ويلغى ما بعده من الاستثناء لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم . وتحقيقه أن الاستثناء متى وقع بغير اللفظ الأول فهو يصلح لإخراج ما تناوله صدر الكلام وإنما امتنع لعدم ملكه لا لأمر يرجع إلى ذات اللفظ ومتصور أن يدخل في ملكه أكثر من هذه النسوة بخلاف ما إذا وقع الاستثناء بعين ذلك اللفظ فإنه لا يصلح لإخراج بعض ما تناوله فلم يصح اللفظ فلم يصح الاستثناء . وأما عندنا أي الشافعية فهذا ما لم يعقبه باستثناء آخر فلو عقبه باستثناء آخر نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة فقيل يلزمه عشرة لأن الاستثناء الأول لم يصح فلا يجوز الاستثناء منه وقيل يلزمه ثلاثة وقيل سبعة والأول لا يصح وسقط من البين وأما إذا كان زائدا على المستثنى منه فالمنع منه أولى وعن الفراء جوازه في المنقطع نحو له علي ألف إلا ألفين لأنه مستثنى من المفهوم . وفي كتب الحنفية إنما لا يصح استثناء الكل من الكل لفظا كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أما حالا وحكما فيصح كقوله نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة وليس له امرأة سواهن فيصح الاستثناء ولا تطلق واحدة منهن ولو قال أنت طالق أربعا إلا ثلاثة صح الاستثناء وتقع واحدة .