الزركشي

311

البحر المحيط في أصول الفقه

لأنه ترجيح بلا مرجح انتهى . وحاصله أن موضع النزاع إنما هو في المضمر لا في المضمر له فإن المضمر له منطوق وبذلك صرح شمس الأئمة السرخسي وأبو زيد الدبوسي في التقويم وصاحب اللباب من الحنفية فقالوا المقتضى ما اقتضاه النص وأوجبه شرطا لتصحيح الكلام والنص مقتض له كقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ولم يزد غير ذلك لأنه غير مرفوع بل رافع فعلم أن المراد بمقتضى الكلام الحكم أو الإثم أو هما جميعا فالشافعي أثبت للمقتضي عموما وعندنا لا عموم له لأن دلالته ضرورية للحاجة فيقدر بقدر ما يصح المذكور به عندنا وقال الشافعي المقتضى كالمنصوص في احتمال العموم والخصوص . ومنشأ الخلاف أن المقتضى عند الشافعي ثابت بالنص فحكمه حكم النص وعند الحنفية أنه غير مذكور فكان معدوما حقيقة وإنما يجعل موجودا بقدر الحاجة وما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها وقد أريد به رفع الإثم بالإجماع فلا يزاد عليه . ثم فرع السرخسي على الخلاف المسألة السابقة وهي ما لو قال إن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما قال فعند الشافعي يعمل بنيته لأن الأكل يقتضي مأكولا وذلك كالمنصوص عليه فكأنه قال إن أكلت طعاما فلما كان للمقتضى عموم عنده عمل بنية التخصيص وعندنا لا يعمل لأنه لا عموم للمقتضى ونية التخصيص فيما لا عموم له لاغية انتهى . وجعل غيره الحديث من باب الحذف لا من باب الاقتضاء فكان تقدير الحكم والإثم من باب الاشتراك والمشترك لا عموم له وكذا قوله إنما الأعمال بالنيات والفرق بينهما أن في الحذف ينتقل الحكم من المنطوق إلى المحذوف وفي المقتضى لا ينتقل من المقتضى شيء بل يقدر قبله ما يصححه قالوا ونظيره الميتة أبيحت للضرورة فيقتصر على سد الرمق ولا يتناول ما وراءه من الشبع بخلاف المنصوص فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة المذكى يعم سائر جهات الانتفاع . واعلم أنه يخرج من كلام الشافعي في هذه المسألة قولان فإنه قال في الأم في قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه الآية تقدير الآية فمن كان منكم مريضا فتطيب أو لبس أو أخذ ظفره لأجل مرضه أو به أذى من رأسه فحلقه ففدية فقدر جميع المضمرات وقال في الإملاء ليس هذا