الزركشي

289

البحر المحيط في أصول الفقه

وقد صرح في المستصفى بتفاوت مراتب العموم في تناولها لبعض الأفراد لكن هذا التفاوت ليس من جهة الوضع وإنما هو لأمور خارجة عنه والعموم يضعف بأن لا يظهر فيه قصد التعميم وسر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة ومثله بأصل دلالة البيع فإن دلالة قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر على تحريم الأرز أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله ولهذا جوز عيسى بن أبان دون ما بقي على العموم قال ولا يبعد ذلك عندنا فيما بقي عاما لأنا لا نشك في أن العمومات بالنسبة إلى بعض المسميات تختلف بالقوة لاختلاف ظهور إرادة قصد ذلك المسمى بها فإذا تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين وكذا القياسان إذا تقابلا وجب تقديم أجلاهما وأقواهما . قال الشيخ أما ظهور قصد التعميم فلا شك في اقتضائه القوة لكن قد يقال هل المعتبر في الضعف عدم قصد التعميم أو قصد عدم التعميم والظاهر الثاني وظاهر كلام المستصفى الأول ثم ذلك إنما يكون بقرائن خارجة عن مدلول اللفظ ونحوه . ثم قسموا المراتب على ثلاثة أقسام : أحدها أن يظهر أن الرسول عليه السلام لم يقصد التعميم وإن كان اللفظ عاما لغة كقوله فيما سقت السماء العشر فإن سياقه لبيان قدر الواجب لا غير فهذا لا عموم له في قصده وكذا قوله تعالى وثيابك فطهر لا عموم له في الآلة المطهرة لأن المقصود الأمر بأصل التطهير . الثاني لفظ عام ظهر منه قصد التعميم بقرينة زائدة على اللفظ فحكم إمام الحرمين بأنه لا يؤول بقياس قال بعض المتأخرين وفيه نظر فإن كانت القرينة تفيد العلم بالتعميم صار نصا وإن لم يفده إلا قوة الظن فما المانع من تأويله بقياس أجلى منه في النظر فلا وجه لهذا الإطلاق . الثالث لفظ عام لغة ولا قرينة معه في تعميم ولا تقتضيه فالواجب إذا أول وعضد بقياس اتباع الأرجح في الظن فإن استويا وقف عند القاضي وصوبه بعضهم وقدم الإمام الخبر لنصيته وهو كقوله إنما الأعمال بالنيات انتهى .