الزركشي
27
البحر المحيط في أصول الفقه
واعلم أن أو من حيث هي تدل على الشيئين أو الأشياء مثل إما وينفصل التخيير عن الإباحة بالقرينة وسياق الكلام وهي تساوي إما في التخيير التي يسميها المنطقيون منفصلة مانعة الجمع وفي الإباحة منفصلة مانعة الخلو وما ذكروه من أن الشيئين إن كانا أصلهما على المنع فللتخيير وإلا فللإباحة إنما أخذوه من أمثلتهم حتى مثلوا الأول ب خذ درهما أو دينارا والثاني يجالس الحسن أو ابن سيرين وليس هذا بمطرد فقد تقول له جالس أحدهما وتقصد المنع من الجمع وقد يأذن له في أخذ شيء من ماله ويرضى بالجمع . وإنما المعتمد في الفرق القرائن كما ذكرنا ولذلك أجمعوا على أن أو في آية الكفارة للتخيير ويسمونها الواجب المخير مع أنه لا يمتنع الجمع وبهذا يندفع السؤال بالآية عندهم ولا حاجة للتكلف عن ذلك . والتحقيق أن التخيير والإباحة قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير وإنما امتنع الجمع في الدينار والدرهم للقرينة العرفية لا لمدلول اللفظ كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص فيه . قال ابن الخشاب معناها الأصلي في الطلب التخيير وأما الإباحة فطارئة عليه وليست فيه خارجة عن وضعها لأنه إذا أفرد أحدهما بالمجالسة كان ممتثلا ولما كانت مجالسة كل منهما في مجالسة الآخر ساغ له الجمع بينهما وكأنه قال أبحت لك مجالسة هذا الضرب وكذلك لو أتى بالواو فقال جالس الحسن وابن سيرين لم يتمثل إلا بالجمع بينهما . فاعرف الفرق بينهما وهذا أولى من قول السيرافي أو التي للإباحة معناها معنى واو العطف والتسوية نسبت للإباحة لما بينهما من المضارعة ولهذا قالوا سواء علينا قيامك وقعودك وسواء علي قيامك أو قعودك . وما أحسن قول الجرجاني في كتاب العوامل أو توجب الشركة على سبيل الجواز والواو على سبيل الوجوب . قال وحيث أريد بها الإباحة فلا بد من أن يكون المراد جنسا مخصوصا فلا يصح كل السمك أو اشرب اللبن أو اضرب زيدا أو عمرا إلا أن يراد بهما أنهما مثلان في الشرب واستحقاق الضرب وذلك راجع إلى اتحاد الجنس وكذلك كل صيحانيا أو برنيا قال وإذا أمعنت النظر لم تجد أو زائلة عن معناها الأصلي وهو كونها لأحد الشيئين أو الأشياء انتهى .