الزركشي
177
البحر المحيط في أصول الفقه
كل نهي يطلب لضد المنهي عنه فهو لعينه كصوم يوم العيد وكل نهي لم يكن لطلب ضد المنهي عنه لم يكن لعينه كالصلاة في الدار المغصوبة . والحق أن الأصل في النهي رجوعه لمعنى في نفسه ولا يحكم فيه بتعدد الجهة إلا بدليل خاص فيه لأن حقيقة قول الشارع حرمة صوم يوم النحر يحرم إمساكه مع النية لا يفهم منه عند إطلاقه سواه فمن أراد صرف التحريم عن الحقيقة إلى أمر خارج احتاج إلى الدليل ولهذا قطع الشافعي ببطلانه إذ لم يظهر صرف التحريم إلى أمر خاص بدليل خاص وقطع بصحة الطلاق في زمن الحيض لانصراف التحريم عن الحقيقة إلى أمر خارج وهو تطويل العدة أو لحوق الندم عن الشك في وجود الولد لدليل دل عليه وكذا قطع ببطلان نكاح المحرم ولم يلحظ المعنى الخارج من كونه مقدمة الإفساد . الحادي عشر ضايق ابن السمعاني في بعض خلافياته في قولهم نهى عنه لعينه وقال النهي أبدا إنما يراد لغيره لا لعينه لأنه قد عرف من أصلنا أن الأحكام ليست بأوصاف ذاتية للأفعال بل عبارة عن تعليق خطاب الشرع بأفعال المكلفين بالمنع تارة وبالبحث أخرى قال وهكذا نقول في بيع الحر لا يكون منهيا عنه لعينه وإنما ينهى عنه لغيره والصلاة في الدار المغصوبة والبيع وقت النداء ونحوه والنهي فيه لم يكن متناولا للصلاة والبيع بدليل أنه لا يتصور أن يكون مرتكبا للنهي بدون البيع فدل على أن البيع منهي عنه والنهي يوجب فساد المنهي عنه إذا صادف عين الشيء بالاتفاق . الثاني عشر إذا جعلنا الخلاف في هذه المسألة إنما هو في نهي التحريم فقط فإنما هو في صيغة لا تفعل فإنه الحقيقي في التحريم كعكسه في الأمر أما لفظ نهى فهو مشترك بين الكراهة والتحريم كما سبق فلا ينتهض الاستدلال به على التحريم كاستدلال أصحابنا على بطلان بيع الغائب ونحوه بحديث أبي هريرة نهى عن بيع الغرر فيقال هذه الصيغة مشتركة بين التحريم والكراهة والنهي المقتضي للفساد إنما هو في نهي التحريم وهو قوله لا تفعل .