الزركشي

165

البحر المحيط في أصول الفقه

بالنهي المحرم كما نص عليه الشافعي فلا ترد الكراهة . واعلم أن حقيقة هذا الخلاف بيننا وبين الحنفية ترجع إلى مسألة أخرى وهي أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقا ثم نهى عنه في بعض أحواله هل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط المأمور به حتى يقال إنه لا يصح بدون ذلك الشرط ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل آخر أم لا يكون كذلك مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر والأمر بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره فالشافعي والجمهور قالوا النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد وإلحاق شرط بالمأمور به لا يثبت صحته بدونه . وذهب الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف المنهي عنه دون الأصل المتصف به حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحا بحسب الأصل فاسدا بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد وإلا فمجرد النهي عنده لا يدل على الفساد بل على الصحة كما إذا نذر صوم يوم النحر ينعقد نذره عندهم ويجب عليه إيقاعه في غير يوم النحر فإن أوقعه فيه كان ذلك محرما ويقع عن نذره وكذلك يحرم على الحائض الطواف ويجزئها عن طواف الفرض حتى يقع به التحلل وإذا باع درهما بدرهمين بطل العقد في الدرهم الزائد وصح في القدر المساوي وهذا معنى قولهم صحيح بأصله فاسد بوصفه وبالغوا في التخريج على هذه القاعدة حتى قالوا إن الزنى يترتب عليه حرمة المصاهرة من أم المزني بها وبنتها وإن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين ملكوها . والحق أن هذا ليس من هذه المسألة لأن الزنى والاستيلاء من الأفعال الحسية ولا خلاف عندهم أن النهي عن الأفعال الحسية لانتفاء المشروعية ولهذا لم يقل أحد بمشروعية الزنى والغصب . ولهم في ذلك مأخذان : أحدهما أن المنهي عنه في يوم النحر هو إيقاع الصوم لا الصوم الواقع وهما مفهومان متغايران فلا يلزم من تحريم الإيقاع تحريم الواقع كما لا يلزم من تحريم الكون في الدار المغصوبة تحريم نفس الصلاة لتغاير المفهومين . الثاني أن النهي يستلزم تصور حقيقة الشرعية ويقتضي ذلك الصحة والنهي عنه قبح لذاته وذلك قائم بالوصف لا بالفعل فيجب العمل بمقتضى الأصلين . وقال الشافعي المعصية والصحة متنافيان لأن معنى الصحة ترتب الآثار