الزركشي

148

البحر المحيط في أصول الفقه

بالنسبة إلى الله تعالى فالله تعالى بكل شيء عليم وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر واحد بالذات متعدد بالمتعلقات وحينئذ فأمر الله عين نهيه فكيف يتجه فيه خلاف وإن كان الخلاف بالنسبة إلى المخلوق فقط كما صرح به الغزالي وابن القشيري فكيف يقال هو أو يتضمنه مع احتمال ذهوله عن الضد مطلقا وهذا هو عمدة إمام الحرمين كما سبق . وجوابه أن القائل بأنه أجراه مجرى العلم المتعلق بمتلازمين كيمين وشمال وفوق وتحت فإن من المستحيل علم الفوق وجهل التحت وعكسه وكذلك يستحيل أن يتعلق الأمر بالنفسي باقتضاء فعل ولا يتعلق النهي عن تركه وإنما الإشكال على القول بتضمنه النهي . وجوابه ما ذكره إمام الحرمين أن هؤلاء لا يعنون بالاقتضاء ما يريده المعتزلة وإنما هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي مقارنة نهي نفسي أيضا يجري ذلك مجرى الحياة في العلم فإن العلم إذا وجد اقتضى وجود الحياة . وممن جزم أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو بالنسبة إلى الكلام اللساني لا النفساني القرافي وتبعه عليه التبريزي في التنقيح فقال لا يتحقق هذا الخلاف في كلام الله تعالى لأن مثبتي كلام النفس مطبقون على اتحاد كلام الله من أمر ونهي ووعد ووعيد واستفهام إلى جميع الأقسام الواقعة في الكلام فهو تعالى آمر بعين ما هو ناه عنه ولا شك أن قول القائل تحرك غير قوله لا تسكن وإنما النظر في قوله افعل إنما يتضمن ذلك على خلاف فيه طلب الفعل فهو طالب ترك ضده أم لا وكذا قال الصفي الهندي هذا النزاع غير متصور في كلام الله تعالى على رأي من يرى اتحاده بل في كلام المخلوقين وفي كلام الله تعالى على رأي من يرى تعدده . وقال ابن القشيري الكلام في هذه المسألة مع مثبتي كلام النفس أما من نفاه فلا يمكنه أن يقول الأمر عين النهي فإن صيغة افعل غير صيغة لا تفعل لكنهم قالوا يقتضيه من طريق المعنى قال وصار إلى هذا ضعفة الفقهاء ومن لم يتحقق عنده كلام النفس ثم قال الخلاف في أمر المخلوق أما كلام الله فهو قديم وهو صفة واحدة يكون أمرا بكل مأمور ونهيا عن كل نهي خبرا عن كل مخبر ثم قال في آخر المسألة والقول بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده يلزم المصير إلى مذهب الكعبي لأن من ضرورة ارتكاب المباح أن يترك محظورات فوجه النظر إلى مقصود