الزركشي
140
البحر المحيط في أصول الفقه
الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أمته بشيء فإن ذلك الشيء يجب فعله عليهم من حيث المعنى وهكذا إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الواحد من أمته أن يأمر غيره بشيء كان دالا على وجوب الفعل عليه ويصير ذلك بمنزلة ورود الأمر ابتداء عليه انتهى وجعل ابن الحاجب في المنتهى موضع الخلاف نحو مر فلانا بكذا أما لو قال قل لفلان افعل كذا فالأول آمر والثاني مبلغ قطعا ومثله قول بعض الفقهاء الخلاف في أمر الاستصلاح نحو مروهم بالصلاة لسبع فأما ما أريد به التبليغ فلا خلاف أن الثالث مأمور بذلك الأمر ولهذا اتفق الأصحاب على أن من طلق زوجته في الحيض بغير عوض بعد الدخول استحب له أن يراجعها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر مره فليراجعها فلو كان للخلاف في هذه الحالة مجال لجرى خلاف في الاستحباب . وفصل بعض المتأخرين فقال إن قامت قرينة تقتضي أن المراد بالأمر الأول التبليغ كان ذلك أمرا للثاني وإلا فلا وهو حسن . والحق التفصيل إن كان للأول بأمر الثالث فالأمر الثاني بالأمر الثالث وإلا فلا ومعنى هذه المسألة أن الشارع إذا أمر مبلغا بشيء فهل هو أمر للمأمور الثاني بذلك كما لو توجه نحوه الأمر من غير واسطة والجمهور على أنه ليس كذلك ونقل فيه خلاف ولم يسم قائله نعم الخلاف بين أصحابنا الفقهاء مشهور في أن الصبي مأمور بأمر الولي فقط أو مأمور بأمر الشارع ورجحوا الأول وذلك نظر إلى وضع اللفظ فقط وجنوح إلى أن الصبي خارج عن حكم الخطاب وهو مقتضى حد الحكم بأنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين والأحسن التفصيل المذكور . ومثل جماعة منهم الغزالي هذه المسألة بقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة الآية . وقالوا إن ذلك بمجرده لا يقتضي وجوب الإعطاء إلا من جهة وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة وفيه نظر لأنه ليس أمرا إلا بطريق التضمن الذي اقتضاه وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم بل هذه الآية ترجع إلى أن ما لا يتم الشيء المأمور به وليس من فعل المكلفين هل يكون مأمورا به أم لا ولا تعلق لذلك بهذه المسألة . * * *