الزركشي
108
البحر المحيط في أصول الفقه
قول الصيرفي يحمل الأمر على الوجوب بظاهره والنهي على التحريم بظاهره وعلى هذا القول يتوقف وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى . وقد تعرض هاهنا صاحب الميزان من الحنفية فقال إذا صدر الأمر المطلق من مفترض الطاعة فحكمه وجوب العمل به واعتقاده قطعا هذا قول عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين . وقال مشايخ سمرقند منهم الماتريدي إن حكمه من حيث الظاهر عملا لا اعتقادا على طريق التعيين وهو أن لا يعتقد فيه ندب ولا ما ينافيه ولا خلاف في وجوب العمل وإنما الخلاف في وجوب الاعتقاد بطريق التعيين وبني على هذا ما لو اقترن بصيغة الأمر قرينة الندب أو الإباحة أو التهديد فمن قال الوجوب عينا فليس بأمر عنده لانعدام حكمه بل إطلاق لفظ الأمر عليه مجازا انتهى . وأقول الأمر ضربان أمر إعلام وأمر إلزام فأما أمر الإعلام فمختص بالاعتقاد دون الفعل ويجب أن يتقدم الأمر على الاعتقاد بزمان واحد وهو وقت العلم به وأما أمر الإلزام فمتوجه إلى الاعتقاد والفعل فيجمع بين اعتقاد الوجوب وإيجاب الفعل ولا يجزئه الاقتصار على أحدهما فإن فعله قبل اعتقاد وجوبه لم يجز وإن اعتقد وجوبه ولم يفعل كان مأخوذا به ولا يلزم تجديد الاعتقاد عند الفعل إذا كان على ما تقدم من اعتقاده لأن الاعتقاد تعبد إلزام والفعل تأدية مستحق ويجب أن يتقدم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد . واختلف في اعتبار تقديمه بزمان المتأهب للفعل على مذهبين : أحدهما وهو قول شاذ من الفقهاء يجب تقديمه على الفعل بزمانين أحدهما زمان الاعتقاد والثاني زمان التأهب للفعل وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة قبل الفعل . والثاني وهو قول جمهور الفقهاء يعتبر تقديم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد وحده والتأهب للفعل شروع فيه فلم يعتبر تقديمه عليه وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة مع الفعل وسبقت في مباحث التكليف . * * *