السيد محسن الأمين

379

أعيان الشيعة

كبارا ، والمبيضة تجئ كذلك ، ولكن اخترمته المنية ، وتفرقت أجزاؤه قبل الفتنة التيمورية . وكتاب آخر تجدر الإشارة إليه قبل الحديث عن سفارته ومهمته السياسية أريد به كتابه الإنصاف والتحري ، في دفع الظلم والتجري ، عن أبي العلاء المعري . لقد ثار ابن العديم على الجهلة من انصاف العلماء الذين أخذوا يكفرون شيخ المعرة الذي طالما صرخ من الأعماق : لحي الله قوما إذا جئتهم * بصدق الأحاديث قالوا : كفر والذي كان يصرخ من عزلته : أما في الأرض من رجل لبيب فيفرق بين ايمان وكفر ! مهلا شيخنا الحكيم . فلم تخل الأرض في يوم من الأيام من رجل لبيب منصف يفرق بين الكفر والايمان . وها هو ذا ، قاضي قضاة حلب ، ينبري للدفاع عنكم فيرد على خصومكم ويسفه أحلامهم وتخرصاتهم ولهذا الدفاع ، في تلك الفترة ، قيمته لصدوره عن فقيه مجتهد وعالم مرموق ، وأديب واسع الاطلاع وشاعر ومؤرخ ، فمن كلماته قوله : . . . وبعد فاني وقفت على جملة من مصنفات عالم معرة النعمان أبي العلاء . . . فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان ، مودعة فنونا من الفوائد الحسان ، محتوية على أنواع الآداب ، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب ، لا يجد الطامح فيها سقطة ، ولا يدرك الكاشح فيها غلطة . . . . ولما كانت مختصة بهذه الأوصاف مميزة على غيرها عند أهل الإنصاف قصده جماعة لم يعوا وعيه ، وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه ، فتتبعوا كتبه على وجه الانتقاد ، ووجدوها خالية من الزيغ والفساد ، فحين علموا سلامتها من العيب والشين ، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمين ورموه بالالحاد والتعطيل ، والعدول عن سواء السبيل ، فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة ، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده ، فجعلوا محاسنه عيوبا ، وحسناته ذنوبا . وعقله حمقا ، وزهده فسقا ، ورشقوه بأليم السهام وأخرجوه عن الدين والاسلام . وحرفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه . بهذا الأسلوب الحار أخذ يدافع عن عقيدة أبي العلاء بعد أن قرأ جميع كتبه وما اتهمه به خصومه فخرج برسالة الإنصاف والتحري ، في دفع الظلم والتجري . وهو إذ أنصفه رد على حاسديه وكشف عن خصائص عبقريته . ونتحدث عن سفارته إلى القاهرة حين اجتاح هولاكو بغداد في طريقه إلى الشام . فقد دب الذعر في نفوس الأهالي ، واجتاح الهلع رجال الدولة ، والتفت الناس إلى مصر يطلبون النجدة فما كان من الملك الناصر يوسف صاحب الشام وحلب الا أن عقد مجلسا ضم أركان البلاد والقادة لتدارك الموقف ، وبعد مداولات خطيرة قر الرأي أن ينتدب قاضي القضاة ابن العديم للسفر إلى مصر ، وطلب النجدة من ملكها لرد عادية المغول . وكان كمال الدين قد عاد من بغداد في مهمة توطيد العلاقة بين الخليفة والملك الناصر ، وذلك قبل الاجتياح المغولي لبغداد . ووصل مصر بعد عناء شديد وسفر مضن شاق طويل ، فلم يكد يهبط أرض النيل متعبا مكدودا حتى احتفت به مصر حفاوة بالغة احتفى به الملك والامراء والأعيان والعلماء ونزل في ضيافة السلطان في قصر الكبش ( 1 ) وتوافدت رجالات مصر للسلام عليه والترحيب بمقدم عالم فذ ومؤرخ شهير . وانتهت مراسم التسليم ، وبعد أن أخذ حقه من الراحة بدأ بمفاوضاته التي انتهت بالنجاح . وسرعان ما جهزت مصر حملة كبرى إلى الشام للانضمام إلى جيش الملك الناصر ومقاتلة هولاكو لدفع هذا الخطر الذي يهدد البلاد العربية من فراتها إلى برداها إلى نيلها . وفي هذه الفترات كان هولاكو يجتاح البلاد مدينة اثر مدينة وما زال حتى اقترب من حلب فدخلها سنة 658 ه بعد حصار دام عشرة أيام دافع الحلبيون عنها دفاع الأبطال ولكن دون جدوى . فقد قتل خلال هذه المعارك كثيرون . واستبيحت الدماء وامتلأت الطرقات بالقتلى ، وتهدمت البيوت والجوامع والمساجد والبساتين حتى أصبحت المدينة خرابا يبابا . يقول المؤرخون : أن الحلبيين قتلوا من جنود هولاكو عددا كبيرا . وهذا الذي حمله ، بعد أن دخلها ، أن يعيث فيها ويأخذ منها مائة ألف أسير . . . عدا ما صادره من أموالها ونفائس كنوزها . ومن حلب والى زحفه إلى دمشق ففلسطين . . . وما زال حتى اقترب من الحدود المصرية يريد غزة ومصر . وخلال هذه الفترة كانت سفارة ابن العديم قد أثمرت فأعلنت مصر التعبئة العامة ، وهب جيشها يدفع هذا العدوان العظيم . وكانت معركة عين جالوت وهي من المعارك الحاسمة في التاريخ هي التي ردت هولاكو عن مصر وعن البلاد العربية كلها .

--> ( 1 ) يطلق الكبش على الجزء الشمالي الغربي من جبل يشكر حيث المنطقة الواقعة غربي جامع ابن طولون ، ويقول المقريزي أثناء كلامه عن مناظر الكبش أن هذه المناظر كانت على جبل يشكر بجواز الجامع الطولوني ، وأن الملك الصالح نجم الدين أيوب ما أنشأ هذه المناظر سماها الكبش لوقوعها فوق الجبل ولاترال هذه المنطقة تعرف اليوم باسم قلعة الكبش بشارع مراسينا بقسم السيدة زينب .