السيد محسن الأمين

359

أعيان الشيعة

6 كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد بن محمد بن عبد الله الحسيني ، قرأ عليه أياما كثيرة منها يوم السبت 16 جمادى الآخرة سنة 620 ه . كما وقد قرأ عليه وروى عنه كثير من الاعلام ، نذكر منهم : الحسن بن يوسف العلامة الحلي غياث الدين عبد الكريم آل طاووس ، جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي ، علي بن عيسى الأربلي ، الحسن بن داود الحلي . وهاجر رضي الدين في شبابه إلى بغداد ، ويحدثنا عن سبب هذه الهجرة فيقول : ثم اتفق لوالدي قدس الله روحيهما ونور ضريحهما تزويجي . . . وكنت كارها لذلك . . . فادى ذلك إلى التوجه إلى مشهد مولانا الكاظم ع وأقمت به حتى اقتضت الاستخارة التزويج بصاحبتي زهراء خاتون بنت الوزير ناصر بن مهدي رضوان الله عليها وعليه ، وأوجب ذلك طول الاستيطان ببغداد . وعلى الرغم من عدم معرفتنا بتاريخ الهجرة فان الشئ المتيقن ان رضي الدين كان ببغداد سنة 635 ه حيث يروي ان شيخه أسعد بن عبد القاهر قد زاره في داره في شهر صفر من تلك السنة ( 1 ) ، والظاهر أنه كان قد قدمها قبل ذلك بسنين ، لأنه أقام ببغداد نحوا من خمس عشرة سنة ثم رجع إلى الحلة في رواية بعض المصادر ( 2 ) ، وكان رجوعه هذا إلى الحلة في حدود عام 640 ه كما سيأتي . ولقي ببغداد من ضروب الحفاوة الشئ الكثير ، وكان من جملتها انعام الخليفة المستنصر عليه بدار يسكن فيها ، وتقع بالجانب الشرقي عند المأمونية في الدرب المعروف بدرب الجوبة ( 3 ) . كما كان من جملتها صلاته الوثقي بفقهاء النظامية المستنصرية ومناقشاته ومحاوراته معهم . وصلاته الوثقى أيضا بالوزير القمي وولده والوزير ابن العلقمي وأخيه وولده صاحب المخزن . وكان له مع الخليفة المستنصر المتوفي سنة 640 ه من متانة الصلة وقوة العلاقة ما يعتبر في طليعة ما حفل به تاريخه في بغداد ، وكان من أول مظاهرها انعام الخليفة عليه بدار سكناه كما مر ، ثم أصبحت لرضي الدين من الدالة ما يسمح له بالسعي لدى المستنصر في تعيين الرواتب للمحتاجين وما يدفع المستنصر إلى مفاتحته في تسليم الوزارة له كما سيأتي . ولعل حب المستنصر كأبيه للعلويين وعطفه عليهم واهتمامه بشؤونهم هو السبب في هذه العلاقة الأكيدة القوية وفي تدعيمها واستمرارها طوال تلك السنين ، ولنترك رضي الدين يحدثنا بقلمه عن تلك العلاقة ويروي لنا نماذج منها فيقول : طلبني الخليفة المستنصر جزاه الله عنا خير الجزاء للفتوى ، على عادة الخلفاء ، فلما وصلت إلى باب الدخول . . . تضرعت إلى الله عز وجل وسألته أن يستودع مني ديني وكل ما وهبنيه ، ويحفظ علي كل ما يقربني من مراضيه ، فحضرت فأجتهد بكل جهد بلغ توصله إليه انني أدخل في فتواهم ، فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي . والظاهر أن الوشاة قد حاولوا إفساد علاقته بالمستنصر بعد رفضه منصب الإفتاء حيث يقول : وجرت عقيب ذلك أهوال من السعايات ، فكفاني الله جل جلاله بفضله وزادني من العنايات . ثم عاد الخليفة ودعاني إلى نقابة جميع الطالبيين على يد الوزير القمي وعلى يد غيره من أكابر دولتهم ، وبقي على مطابتي بذلك عدة سنين ، فاعتذرت باعذار كثيرة ، فقال الوزير القمي : ادخل واعمل فيها برضا الله ، فقلت له : فلأي حال لا تعمل أنت في وزارتك برضا الله تعالى ، والدولة أحوج إليك منها إلي ، ثم عاد يتهددني ، وما زال الله جل جلاله يقويني عليهم حتى أيدني وأسعدني . وعاد المستنصر . . . وتحيل معي بكل طريق . . . وقيل لي : إما ان تقول ان الرضي والمرتضى كانا ظالمين أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلا فيه ، فقلت : ان أولئك كان زمانهم زمان بني بويه . . . وهم مشغولون بالخلفاء والخلفاء بهم مشغولون ، فتم للرضي والمرتضى ما أرادوا من رضا الله . ثم اختار الخليفة المستنصر جزاه الله خير الجزاء ان أكون رسولا إلى سلطان التتر ، فقلت لمن خاطبني في هذه الأشياء ما معناه : ان أنا نجحت ندمت وان جنحت ندمت فقال : كيف ؟ فقلت : ان نجاح سعيي يقتضي أنكم لا تعزلوني من الرسالات . . . وان لم ينجح الامر سقطت من عينكم سقوطا يؤدي إلى كسر حرمتي . وكنت استأذنت الخليفة في زيارة مولانا الرضا عليه التحية والثناء بخراسان ، فاذن ، وتجهزت وما بقي الا التوجه إلى ذلك المكان ، فقال من كان الحديث في الاذن إليه : قد رسم أنك تكون رسولا إلى بعض الملوك ، فاعتذرت وقلت : هذه الرسالة ان نجحت ما يتركوني بعدها أتصرف في نفسي . . . وان جنحت صغر أمري وانكسرت حرمتي . . . ثم لو توجهت كان بعدي من الحساد من يقول لكم : انه يبايع ملك الترك ويجئ به إلى هذه البلاد وتصدقونه فقال : وما يكون العذر ؟ قلت : انني استخير وإذا جاءت لا تفعل فهو يعلم انني لا أخالف الاستخارة ابدا . فاستخرت واعتذرت . ثم عاد الخليفة المستنصر جزاه الله خير الجزاء وكلفني الدخول في الوزارة وضمن لي أنه يبلغ بي في ذلك إلى الغاية ، وكرر المراسلة والإشارة . . . فراجعت واعتذرت ، حتى بلغ الأمر إلى أن قلت ما معناه :

--> ( 1 ) سعد السعود : 223 ة اليقين : 79 و 181 . ( 2 ) البحار 25 / 19 . ( 3 ) سعد السعود : 222 ولا يقين : 79 ة 181 . والمأمونية - هي ايوم محلة عقد القشل والدهانة والهيتاويين وصبابيع الآل ، ودرب للجوبة في احجهة الشرقية من محلة المهدية مما يلي محلة قرمشعيان وفضوته . يراجع بغداد وحديثا : 124 و 243 .