السيد محسن الأمين
26
أعيان الشيعة
كما ابتعت العلاء بغير سوم * وأحللت التكال بغير قوم ردي كأس الغناء بغير لوم * فإنك لو سئلت بقاء يوم على الاجل لك لم تطاعي فكم أرغمت أنف الضد قسرا * وأفنيت العدى قتلا وأسرا وأنت محيطة بالدهر خبرا * فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع عندما صفا العيش لصفي الدين في كنف الملك المنصور غازي وابنه الملك الصالح ، حمل شيطان الغزل إلى شاعرنا هبات كثيرة بعضها يعد من الاعلاق ، ومن تلك الهبات نونيته التي مطلعها : قالت : كحلت الجفون بالوسن * قلت : انتظارا لطيفك الحسن وفي هذه القصيدة الرقيقة من الحوار المستحب بين الحبيبين ما يحببها إلى النفس ويرسلها إلى شغاف القلب ، وهي من بعد مثقلة ببث العاشق اللجوج واندفاعه في دنيا الصبابة ، وبتحفظات المعشوقة المسرفة في الدلال الحلو والمر : قالت : تسليت بعد ما فرقتنا * فقلت : عن مسكني وعن سكني قالت : تشاغلت عن محبتنا * قلت : بفرط البكاء والحزن قالت : تناسيت ، قلت : عافيتي * قلت تناءيت ، قلت : عن وطني قالت : تخليت ، قلت : عن جلدي * قالت تغيرت ، قلت : في بدني فقالت : تخصصت دون صحبتنا * فقلت : بالعين فيك والغبن قالت : أذعت الاسرار قلت لها : * صير سري هواك كالعلن قالت : سررت الأعداء قلت لها * ذلك شئ لو شئت لم يكن قالت : فما ذات تروم ؟ قلت لها : * ساعة سعد بالوصل تسعدني قالت : فعين الرقيب تنظرنا * قلت : فاني للعين لم ابن أنحلتني بالصدود منك فلو * ترصدتني المنون لم ترني ! فأنت ترى ان في غزل الحلي عذوبة وطرافة ، وهذا لا يعني ان غزله بعيد ، أغلبه ، عن التشابيه التقليدية المألوفة الملقاة على طريق السابلة من خمر الريق إلى قوام الغصن وبدر التم إلى غير ذلك ولكنه والحق يقال كان يحسن ، أحيانا ، التصرف بهذه الاستعارات المألوفة المقننة ، من ذلك وصفه لجمال حبيبه : يقولون لي ، والبدر في الأفق مشرق * بذا أنت صب ؟ قلت : بل بشقيقه وإذا كان هذا البيت من ومضاته ، فلشاعرنا في بعض قصائده الغزلية وثبات كقوله : لولا الهوى ما ذاب من حنينه * صب أصابته عيون عينه متيم لا تهتدي عواده * الا بما تسمع من أنينه والاهتداء بالأنين صورة رائعة لا تخلو من الابتكار ، وما أروع استجارته بجيرة الحي ، حي الأحباب . يا جيرة الحي أجيروا عاشقا * ما حاد عن شرع الهوى ودينه باطنه أحسن من ظاهره * وشكه أوضح من يقينه وبعد تسنم شاعرنا هذه الذروة الشاهقة ، ينحدر في البيتين اللذين نالا من هذه المقطوعة الرائعة حيث يقول : لا تحسبوا ما ساح فوق خده * مدامعا تسفح من جفونه فيترك لنا بذلك مجالا فسيحا للتأمل وتوقع الإجادة في وصف دموعه ، وإذا به يقول : وانما ذاب جليد قلبه * فطرفه يرشح من معينه وما أبشع تشببه قلب العاشق بالجليد . . . ولعله تشبث بالجليد لأنه يذوب ، وهو بحاجة إلى مادة تذوب ليشبه بها الدموع ، وفاتته المواد التي تنصهر . . . ولا شك ان غزل الحلي رائع ، إذا جارى الرجل سجيته ولم يبتعد عنها . إما إذا وسوس له شيطان المحاكاة ، طلعت سجيته وطفق يقلد وينحدر . يقول عنترة العبسي : ولقد ذكرتك والرماح نواهل * مني وبيض الهند تقطر بالدم فيصهر صفي الدين هذا المعنى في أكثر من بوتقة ولكنه لا يضاهي العبسي : ولقد ذكرتك والسيوف مواطر * كالسحب من وبل النجيع وطله فوجدت انسا عند ذكرك كاملا * في موقف يخشى الفتى من ظله ويقول الحلي أيضا بهذا المعنى : ولقد ذكرتك والعجاج كأنه * ظل الغني وسوء عيش المعسر والشوس بين مجدل في جندل * منا وبين معفر في معفر فظننت اني في صباح مشرق * بضياء وجهك أو مساء مقمر ولصفي الدين في حلبة المجون والأدب المكشوف جدا أبيات ومقطعات أستحي ان أذكر بعضها . وعلى اي حال فان الرجل عندما ناهزت سنه الخمسين عزف عن الملذات وحج بيت الله الحرام ومدح الرسول الأعظم ص بثلاث قصائد وأربع أبيات سكب فيها من ذوب قلبه وعصير روحه الشئ الكثير ، وهو يرجو فيها الشفاعة ويلتمس الغفران واطفاء نيران الذنوب . وحسبنا ان نلقي نظرة على إحداها ولتكن الهائية . ولا يهمنا فخر صفي الدين بنفسه في هذه القصيدة فقد قرأنا من فخره بنفسه فيما سبق الشئ الكثير ، والذي يهمنا هنا ان نلتمس طريقته في مدح الرسول الأعظم ولنبدأ من مشهد الناقة التي كانت تحمل الشاعر إلى بيت الله الحرام وقبر الرسول ص : ترض الحصى شوقا لمن سبح الحصى * لديه وحيا بالسلام بشيرها إلى خير مبعوث إلى خير أمة * إلى خير معبود دعاها بشيرها ثم يصف الشاعر المؤمن دعوة محمد ص إلى الايمان وكيف اخمد نار المجوس بالتوحيد وكيف زلزل عرش كسرى : ومن أخمدت مع وضعه نار فارس * وزلزل منها عرشها وسريرها