ابن معصوم المدني
32
الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول - المقدمة
فابن دريد مثلا انتهج منهج الخليل لكن بشيء من التعديل في العرض ، إذ قسّم الخليل كتابه إلى أربعة أبواب : الثنائي المضاعف ، والثلاثي الصحيح ، واللفيف ، وجعل الباب الرابع للرباعي والخماسي ، وأمّا ابن دريد فبنى معجمه على أساس من الأبنية طبقا لأحرف الهجاء ، أي أنّه اقتفى منهج الخليل في التقاليب ، لكنّه خالفه بذكره الحرف الذي يلي الحرف المخصّص به الباب فمثلا : لو جاء ب ( الخاء والدال ) لأردفه ب ( الخاء والذال ) ، فالخاء والراء . . . وهكذا في جميع الموارد ، فيكون ( ر ، ج ، ع ) مذكورا عنده في الجيم ، لأنّ الجيم أسبق من الراء في الترتيب الألفبائي ، وهذا لا يتّفق مع نسق الخليل الذي يجمع مقلوبات كلّ كلمة في نفسها ، فمثلا ( ضرم ) يذكرها في الضاد مع تقاليبها ( ضمر ، مرض ، مضر ، رضم ، رمض ) ، وإذا جاء إلى كتاب الراء والميم أغفل ذكر الرضم والرمض والمرض لأنّه ذكرها في كتاب الضاد . هذا ، وقد استحسن البعض طريقة ابن دريد ، واعتبرها البعض الآخر تعقيدا في المنهج ، وتهجّم عليه ثالث كالأزهري ونفطويه ، بل هجاه الأخير بأبيات ، هي : ابن دريد بقره * وفيه عيّ وشره ويدّعي من حمقه * وضع كتاب الجمهره وهو كتاب العين إلّا * أنّه قد غيّره وجاء ابن فارس ( ت 395 ) فلم يستسغ طريقتي الخليل وابن دريد ، وان كان ممّن تأسّى بالأخير في الاشتقاق ، لأنّ ابن دريد كان قد ردّ في كتابه « الاشتقاق » أسماء قبائل العرب وعمائرها ، وأفخاذها وبطونها ، وأسماء ساداتها وشعرائها وفرسانها وحكّامها إلى أصول لغوية اشتقّت منها هذه الأسماء ، فتأثّر ابن فارس به في كتابه المقاييس وغيره .