ابن الذهبي

462

كتاب الماء

والمراد هنا هو الثّانى . وهو جسم لَيّن دسم ، مُتخلخل ، بارد ، رطب ، مركّب من المخّ والشّرايين والأوردة والغشاءين اللّذين يحيطان به جميعا ، وأحد الغِشاءين رقيق يلي الدِّمَاغ ، ويُسمَّى بالأمّ الرّقيقة ، وهي حافظة لأوضاعه كالمشِيمة الحافضة لأوضاع الجنين . والآخر غليظ يلي العظم ، ويُسمَّى بالأمّ الغليظة . وهما حاجزان بينه وبين العظم . وشكله قريب من مَخروط ، قاعدته في مقدَّم الرّأس ، ورأسه في المؤخَّر . وينقسم طُولا إلى ثلاثة بُطون ، وكلّ بطن منها ينقسم عُرْضاً إلى جزأين متساويين ، ليقوم أحدهما بالأفعال الواجبة عند فساد الآخر . أمّا البطن المقدّم فإنّه أعظمها وفي مقدّمته القوّة المسمّاة بالحِسّ المشترَك ، وهي قوّة من شأنها أنْ تُدرك جميع الصّور المحسوسة بواسطة الحواسّ الظاهرة لأنّ كلّ قوّة منها تؤدّى إليها ما أدْرَكَتْه . ولذلك سُمِّيت بالحِسّ المشترَك . وفي مؤخَّرته القوّة المصوِّرة ، وتسمّى بالخِيال أيضا ، وهي قوّة من شأنها أنْ تحفظ ما يتأدَّى إلى الحِسّ المشترَك إذا غاب عن الحواسّ الظّاهرة . وهي قوّة واحدة ، وعند الفلاسفة قوّتان ، كما ذكرنا . وفي هذا البطن يَستحيل الرّوح الحيوانىّ روحا نَفسانيّا . وأمّا البطن المؤخَّر فإنّه أيضا كبير لكنّه أصغر من المقدَّم . وفيه القوّة الحافظة ، وهي قوّة شأنها أنْ تحفظ ما يُدْرِكه الوَهْم من المعاني الجزئيّة ، ويسمّيها بعضهم بالقوّة الذّاكِرة أيضا . ومنه يتوزَّع الإدراك المتحرِّك إلى سائر الأعضاء القابلة للحركة الإرادية ومن مُؤَخَّر مبدأ النُّخاع . وأمّا البطن الأوسط فإنّه أصغرها ، وهو كدِهْلِيز بين المقدَّم والمؤخَّر ، وفيه قوّتان : إحداهما القوّة المتخيِّلة ، ومحلّها أوّل هذا البطن ، ولها اعتباران : - اعتبار باستخدام الوَهْم لها في الصّوَر المحسوسة والمعاني الجزئيّة ، إمّا بالتّركيب ، كتصوُّر إنسان له رأسان أو بالتّفصيل كتصوّر إنسان بلا رأس .