ابن الذهبي

425

كتاب الماء

كان ترطيبه أكثر ، وكذلك تبريده . وكلّما بَعُدَ العهد بالمزْج صار أبرد وأرطب ، ونَقَص ما يُحْدِثُه من السُّكر . وقدَّر بعض الأوَّلين وزنَ ما لا ينبغي تناوله من الشّراب ، ثمّ اختلف هؤلاء فمنهم من قدَّره بمائة مثقال ، ومنهم من قدَّره بمائة وعشرين ، ومنهم من قدَّره بما يقرُب من ذلك . وجميع هذه رديئة ، لأنّ مقدار ما يُستعمل مختلف بحسب المزاج والسن والفصل والبلد والعادة . وطعم الشّراب في نفسه غير لذيذ فلذلك يستكرهه الذَّوق السليم . وأما إذا بلغ إلى حد ارخاء العصب وتخدير الذوق فان الاحساس حينئذ بكراهيته يبطل ويبقى الميل اليه بأمر في النفس لا حاسيَّة الذّوق . فمَن اضطُرَّ إلى شُرب الخمر ، وأخذ النّعاس يغلب عليه والرّأس يثقل وكذلك البدن ، والحركات تسترخى واللسان تعسُر حركته ، والذّهن يغيب . فحينئذ يجب الامتناع من الشّرب لما يلزمه من استراحة قُوَى الدّماغ كالمفكرة والحافظة ونحوهما ، فإنّ هذه القُوَى يحدث لها خُمودٌ ونقصان . والقليل من الشّراب وإنْ كان به نفع فإنّه يقود إلى الاستكثار منه . دوام الاستكثار منه شديد المضرّة جدّا . وبالرغم من مضارّه الكثيرة فإنّ النّاس يحرصون على التَّمَلِّى منه جدّا ، حتى يُؤْثِر بعضُهم أنْ يكون زِقّاً مملوءا خَمْرا ، ومن أخطأ فاستكثر منه فأفضل الأشياء له أن يبادر إلى إخراجه لئلّا تفسد صحّته سريعا لما يُدخله من ضرر على العقل والعصب والبَصَر والقلب والكبد والمعدة ، لقصور تصرّف المعدة فيه . والخَمْر من أكثر الأشياء ضرراً بها . وقد يستحيل إلى المرار فيكون ضرره أيضا شديدا وربّما شَنَّج وأحدث فُواقا رديئا ولذعا في المعدة . وأكثر ذلك إذا كانت المعدة إلى حرارة . وأفضل إخراجه بالقىء ، فان سَهُل بنفسه نفع ، وإلّا شُرب عليه الماء الحارّ وحده أو مع عسل . ثمّ بعد القَيء يغسل وجهه بماء وخلّ أو بماء وَرْدٍ وخلّ لأجل ما يتصعّد إلى الدِّماغ من البُخار ، ثمّ يغسل فمه ثمّ يشرب بعض الأشربة المقوّية للمعدة المانعة من تصعُّد البخار ، كشراب الحُمّاض أو شراب