ابن الذهبي

32

كتاب الماء

ليس الطّيب إلّا المِشك ؟ ليس الطِّيبُ إلّا الماء . فإنّ الماء أطيبُ الطّيب لأنّ أكثر الطّيوب إنّما تظهر رائحتُها بالماء ، وفي الماء ما ليس في الطّيوب من التّنقية والتَّطهُّر . وكلّ جال ومُنَقِّ وغسّالٍ إنّما يَفْعَلُ فِعْلَه بمَعونة الماء . ولولا الماءُ لما نَقَّى الأشَنانُ الاوساخَ ، ولا ظَهَر لَونُ الوَرس والحِنّاء ونحوهما ، ففيه تظهر الألوان والرّوائح والطّعوم ، ولولاه لما أمكن صُنع الغِذاء ، ولما استحال الدّمُ لَبَناً . فكلُّ غذاءٍ لا بُدَّ فيه من ماء إمّا بالصَّنْعَة وإمّا بالطّبيعة . ويُستعمَل في حفظ الصِّحّة ومُداواة الأسقام من داخل البدن وخارجِه حارّاً وبارداً وعَذْباً ومِلْحاً . والعَذْب البارد منه يُعَدِّل حرارةَ المعدة ويشدُّها ، والحارّ يُرخيها . وأجودُ تبريده بتعريضه لريح الشّمال في إناء رشّاح ، وهو الشّائع في زماننا . والإكثارُ منه لغير ما علّة أو علاج مُضِرٌّ . وأفضلُ الماءِ ماءُ زَمزَم ، وفي الحديث : ( إنها طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ ) 8 . ومِنَ الأنهار الفُرات والنّيل وسيحون وجيحون . وعنه ( ص ) أنّه قال : ( سَيْحان وجَيحان والنّيل والفُرات من أنهار الجنّة ) 9 يريد ( ص ) صفاتِها وطعومَها لا انّها منها على الحقيقة ، كما زَعَم بعضُهم . والله اعلم . والأنهار الأربعة المذكورة تَخرج من عيونٍ في الجبال ، وكل واحد منها يُوغِلُ في مَجراه الذي شقَّه الله ، تعالى ، له . وأمّا زيادتُها فمِن قبل أمطارٍ غزيرةٍ على بَطائحها التي تتجمّع فيها عند مُبتدئها . والبالغُ الجيّدُ منها ما كان عَذْباً لايحتَمِلُ الشّرب منه إلّا للحاجة ورىّ