ابن الذهبي
312
كتاب الماء
ففي هذا التّعريف لا بُدَّ أنْ يوجد فيه الزّمان والمكان . ولا بُدّ أنْ تُوجد في حَدِّه الحركة لأنّه مِقدارُها ، فهو تعريف دَوْرِىٌّ . فالحدُّ الحقيقىّ للحرَكة أنّها كَمالٌ أوّل لِما هو بالقوّة من جهة المعنى الذي هو بالقوّة . وتحقيقه أنّ الجسم قبل تحرُّكه هو بالقوّة مُتَحَرِّك ، وبالقوّة واصِل إلى ما يَتَحَرَّك اليه ، ولكنْ بقوّة أبعد من تلك . ففي البَدَن قبل حرَكته قوَّتان : قُوَّة على الحَرَكة وقوّة الوصول إلى المقصود بالحَرَكَة . ولكل واحدة من هاتين القوَّتين كمال ، وهو الحصول بالفعل . فالقوّة الأولى هي القوّة على التَّوَجُّه إلى المطلوب ، وهو بالحَرَكة اليه . والقوّة الثّانية هي القوّة على الوصول إلى المطلوب . فإذا تَحَرَّك البدَن بعد سُكونه فقد حصل له الكمالان ، وهو التّوجّه وحصول هذا الكمال ما دامت الحَرَكَة موجودةً . وهذا بخِلاف السّواد والبَياض ونحوهما ، فإنّ كلّ واحد منهما إذا وُجِد فانّه يكون قد كَمُل وجودُه ، ولم يبقَ منه شئ بالقوّة . والحرَكة ليست كذلك ، فلذلك حُدَّت بأنّها كمالٌ أوَّلٌ لِما هو بالقوّة من جِهَةِ المعنَى الذي هو بالقوّة ، وهي كونُ الجسم إذا أُيِّنَ ، أو وُضِعَ أو كُمَّ أو كُيِّفَ ، لمْ يكن قَبْلَ ذلك ولا يكون له بَعْدَه . أمّا الحَرَكة في الأيْنِ 66 فهي الحَرَكة المكانيّة ، وتُسمَّى النَّقْلِيَّة ، وهي أنْ تَتَبَدَّل أُيُونُ المُتَحَرِّكِ ، سَواءً خَرَج من مكانه كحرَكة الماءِ في الكُوز المنقول من محلّ إلى آخر . ومن الأعراضِ الجِنْسُ الملقَّب بجنس أيْنَ ، وهو النِّسْبَة التي تحدُث بين الشّىء ومكانِه ، كالمَعنى المفهوم من قولِنا : زيد في السُّوق ، ومُحَمَّد في المجلس ، وسَعْد في بغداد ، ويُسمَّى جِنْسَ أينَ ، لأنّه هو الذي يعود في جواب السّائل أين زيد ؟ وأين