السيد عبد الله شبر

30

طب الأئمة ( ع )

البهائم ، فإنه خلق ينتصب قائما ، ويستوي جالسا ، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ، ويمكنه العلاج والعمل بهما ، فلو كان مكبوبا على وجهه ، كذات الأربع ، لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال . أنظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خصّ بها الإنسان في خلقه ، وشرّفه بها على غيره ، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ، ليتمكن من مطالعة الأشياء ، ولم يجعلها في الأعضاء التي تحمل كاليدين والرجلين ، فيعرضها للآفات ، ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلّها ، ويؤثّر فيها ، وينقص منها ، ولا في الأعضاء التي في وسط البدن ، كالبطن والظهر ، فيعسر تقلبها ، واطلاعها نحو الأشياء ، فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع ، كان الرأس أسنى المواضع للحواس ، وهو بمنزلة الصومعة لها . فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا ، لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات ، فخلق البصر ليدرك الألوان ، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة ، وخلق السمع ليدرك الأصوات ، فلو كانت الأصوات ، ولم يكن سمع يدركها ، لم يكن فيها إرب « 1 » . وكذلك سائر الحواس . ثم هذا يرجع متكافئا : فلو كان بصر ولم يكن ألوان ، لما كان للبصر معنى ، ولو كان سمع ولم تكن أصوات ، لم يكن للسمع موضع . فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا ، فجعل لكل حاسة محسوسا . يعمل فيها ، ولكل محسوس حاسة تدركه ، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات ، لا تتم الحواس إلّا بها ، كمثل الضياء والهواء ، فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون ، ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع ، لم يكن السمع يدرك الصوت . في أعضاء الإنسان التي خلقت أفرادا وأزواجا . ثم قال ( ع ) بعد كلام في فوائد الحواس :

--> ( 1 ) الإرب : الحاجة .