محمد حسين بن قارياغدي

29

البضاعة المزجاة

وقوله : ( فإنّ اللَّه عزّ وجلّ . . . ) إشارة إلى أنّ النهي عن الركون إليها شامل للنهي عن الركون إلى أهلها ، كما أشرنا إليه . أو إلى أنّ المراد بالركون إليها الركون إلى أهلها . ( قال لمحمّد صلى الله عليه وآله ) ليبلّغ إلى الامّة . وخاطبه على سبيل التعظيم وأراد غيره . « وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » . قال بعض المفسّرين : « أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل ؛ فإنّ الركون هو الميل اليسير » . « 1 » « فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ » « 2 » بركونكم إليهم . وإذا كان الركونُ إلى مَن وُجد منه ما يسمّى ظلماً كذلك ، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين ؛ أي الموسومين بالظلم ، ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل ، ثمّ بالظلم نفسه والانهماك فيه ؟ ! ولعلّ الآية أبلغ ما يتصوّر في النهي عن الظلم والتهديد عليه . وخطاب للرسول ومَن معه من المؤمنين ؛ للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ؛ فإنّ الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره ، بل ظلم في نفسه . وقوله : ( ركونَ مَن اتّخذها دارَ قرار ) أي كركونه . وفيه إيماء إلى أنّ الركون إليها لا بهذا الاعتبار ، بل باعتبار تحصيل ما يتوقّف عليه بقاء الحياة وإعمال الطاعات . وجعلها محلّ العبرة ممدوح ، كما أشار إليه أيضاً ب قوله : ( فإنّها دارُ بُلغة ) بالضمّ . قال في المصباح : « البُلغة : ما يتبلّغ به من العيش ولا يفضل . يُقال : تبلّغ به ، إذا اكتفى به . وفي هذا بلاغ وبُلغة وتبلّغ ؛ أي كفاية » . « 3 » ( ومنزل قُلعةٍ ) أي ارتحال وتقلّع . قال الفيروزآبادي : القُلعة ، بالضمّ : العَزل ، والمال العارية ، أو ما لا يدوم ، والضعيف الذي إذا بُطِش به لم يثبت . ومنزلُنا منزل قُلعةٍ أيضاً ، وبضمّتين ، وكَهُمَزَة ؛ أي ليس بمستوطنٍ كأنّه يقطع ساكنه . أو معناه : لا نملكه ، أو لا ندري متى نتحوّل عنه . ومجلسٌ قُلعَةٌ : يحتاج صاحبه إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة . والدنيا دار قُلعة ؛ أي انقلاع . وهو على قُلعَةٍ ؛ أي رحلة . « 4 »

--> ( 1 ) . تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 266 . ( 2 ) . هود ( 11 ) : 113 . ( 3 ) . المصباح المنير ، ص 131 ( بلغ ) . ( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 74 ( قلع ) . وقال المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 415 : « وفيه تنبيه على أنّ الدنيا ليست بدار لهم ، ليلتفتوا عن الركون إليها ، ويتوقّعوا الارتحال والخروج منها » .