محمد حسين بن قارياغدي
24
البضاعة المزجاة
أدركوا شدّة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس . وقد تقدّم تفسير هذه الآية عن أبي جعفر عليه السلام ، وذكرنا هناك ما يتعلّق بها ، ونقول هاهنا : كان ضمير التأنيث في قوله : « إِذا هُمْ مِنْها » راجع إلى شدّة العذاب المفهوم من البأس . ( « يَرْكُضُونَ » « 1 » ؛ يعني يهربون ) مُسرعين راكضين دوابّهم ، أو متشبّهين بهم من فرط إسراعهم . وقوله عليه السلام : ( قال : « لا تَرْكُضُوا » ) تنبيه على إرادة القول هنا . قال بعض المفسّرين : « لا تركضوا على إرادة القول ؛ أي قيل لهم استهزاءً : لا تركضوا ؛ إمّا بلسان الحال ، أو المقال . والقائل ملك ، أو مَن ثَمَّ من المؤمنين » . « 2 » « وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ » من التنعّم والتلذّذ . والإتراف : إبطار النعمة . « وَمَساكِنِكُمْ » التي كانت لكم . « لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ » « 3 » غداً عن أعمالكم ، أو تعذّبون ؛ فإنّ السؤال من مقدّمات العذاب . أو تُقصَدون للسؤال والتشاور في المهامّ والنوازل . هذا قول المفسّرين ، ويرد عليه أنّه لا مدخل للرجوع عن هذا السؤال « 4 » ، وقد فسّره أبو جعفر عليه السلام بالسؤال عن الكنوز والذخائر ، كما مرّ . « قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ » . « 5 » قالوا ذلك لمّا رأوا العذاب ، أو لم يروا وجه النجاة ، فلذلك لم ينفعهم . « فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ » . قال البيضاوي : أي فما زالوا « 6 » يردّدون ذلك ، وإنّما سمّاه دعوى ؛ لأنّ المُوَلوِل كأنّه يدعو الويل ، ويقول : يا ويل ، تَعالَ ، فهذا أوانك ، وكلّ من « تلك » و « دعواهم » يحتمل الاسميّة والخبريّة .
--> ( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 12 . ( 2 ) . تفسيرالبيضاوي ، ج 4 ، ص 85 . ( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 13 . ( 4 ) . انظر : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 411 و 412 . ( 5 ) . الأنبياء ( 21 ) : 14 . ( 6 ) . هكذا في المصدر . وفي النسخة : - « زالوا » .