المولى خليل القزويني

426

الشافي في شرح الكافي

يكون دليلًا للمخالفين على وجوب مراجعتهم إلى مجتهديهم . وأمّا قوله تعالى في سورة يونس : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ » « 1 » ، فهو كقوله في سورة الزخرف : « وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » « 2 » ، وليسا ممّا نحن فيه ، كما مرّ بيانهما في ثاني عشر « باب العقل » عند قوله : « يا هشام ما بعث اللَّه أنبياءه ورسله [ إلى عباده ] « 3 » إلّاليعقلوا عن اللَّه » . والأقرب أنّ الآيتين السابقتين كاللاحقتين للنهي عن اتّباع الاجتهاد المتضمّن للقول على اللَّه بغير علم ، بل بالظنّ والرأي ، وللعمل في الشرعيّات بالظنّ والرأي ، مع بيان أنّ هذا النهي ممّا جاء به كلّ رسول إلى امّته . ويمكن تقريرهما حينئذٍ بوجهين : الأوّل وهو الأنسب بقوله تعالى في سورة يوسف : « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى » « 4 » ، وبقوله تعالى في سورة الأنبياء : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » « 5 » أنّ المراد برجالًا : كاملين في الرجوليّة ، وبقوله : « نوحي إليهم » : نَقِفُهُم في دقيق الأحكام وجليلها على الوحي لا نرخّص لهم في الاعتماد على الرأي أصلًا ، مع كمال عقلهم وذكائهم ، وكونهم من أهل القرى ، وهم أعلم وأبصر من أهل البوادي ، فحاصله : لو جوّزنا الدعاء إلى اللَّه على غير بصيرة وعلم ، بل على الاعتماد على الرأي في نفس الأحكام لأحدٍ ، لكان تلك الرسل أولى به ؛ لقربهم إلى اللَّه ، وكون رأيهم أقرب إلى الصواب لكمالهم في أنفسهم ، ولكن لم نجوّز لهم ؛ لكونه إشراكاً كإشراك الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللَّه . وقوله « فاسألوا » تفريع عليه وخطاب لُامّة رسولنا صلى الله عليه وآله .

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 94 . ( 2 ) . الزخرف ( 43 ) : 45 . ( 3 ) . ما بين المعقوفين من المصدر . ( 4 ) . يوسف ( 12 ) : 108 - 109 . ( 5 ) . الأنبياء ( 21 ) : 25 .