المولى خليل القزويني
322
الشافي في شرح الكافي
اعلم أنّ هنا وجهاً آخر يرجع إلى الأوّل ، هو أن يكون المراد بالعلماء الذين يعلمون اللَّه . ويؤيّد هذا ما في « كتاب الروضة » في صحيفة عليّ بن الحسين عليهما السلام وكلامه في الزهد من قوله : « فمَن عرف اللَّه خافه ، وحثّه الخوف على العمل بطاعة اللَّه ، وأنّ أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا اللَّه فعملوا له ورغبوا إليه ، وقد قال اللَّه : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » « 1 » ، وما في الصحيفة الكاملة من دعائه عليه السلام في الإلحاح على اللَّه تعالى من قوله : « سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك » الدعاء « 2 » . بيان ذلك أنّ خشية اللَّه على قسمين : الأوّل : خشية متعلِّقة بالدنيا ، وهي خشية خذلانه واستدراجه ومكره وإزاغته للقلب بعد الهداية وإضلاله ، ونحو ذلك ، وهذه إنّما تحصل بالعلم بأنّ بيده تعالى أزمّة الأمور كلّها ، وأنّه خالق كلّ شيء حتّى معاصي العباد ، وأنّه لا يجب عليه كلّ لطف ناجع « 3 » ، إنّما يجب عليه اللطف المزيح لعلّة المكلّف ، وأنّه لا يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّابمشيئته وإرادته وقدره وقضائه وإذنه ، وأنّه يضلّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء ، وأنّ العبد غير مستقلّ بالقدرة على فعله وإن كان له أصل القدرة على كلٍّ من الفعل والترك ، وهو المؤثّر في أفعال نفسه ، ويستحقّ على فعله المدح أو الذمّ عقلًا ، والثواب أو العقاب ، وهذا مذهب الواسطة بين الجبر والتفويض ، وسيتّضح في « باب الاستطاعة » وغيره من أبواب « كتاب التوحيد » . الثاني : خشية متعلّقة بالآخرة ، وهي خشية عقابه ونسيانه وعدم النظر ، وعدم تزكية الأعمال ، ونحو ذلك ، وهذه إنّما تحصل بالعلم بأنّه تعالى لا يُسأل عمّا يفعل وهُم يُسألون ، ويجيء شرحه في سادس « باب المشيّة والإرادة » من « كتاب التوحيد » ، وبالعلم بزواجره ومواعيده ، وأنّ العفو عن بعض العاصين ظلم بل ظلاميّة ، وهو تعالى ليس بظلّام للعبيد ، وأنّه سيبدو لهم من اللَّه ما لم يكونوا يحتسبون ، وأنّ اللَّه تعالى يحبط
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 8 ، ص 16 ، ح 2 . والآية في سورة فاطر ( 35 ) : 28 . ( 2 ) . الصحيفة السجادية ، ص 302 ، دعاؤه في الإلحاح . ( 3 ) . أي ظاهر أثره . المصباح المنير ، ص 594 ( نجع ) .