السيد أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي

94

الحاشية على أصول الكافي

أقول : قال ابن عبّاس : كانوا يكرهون الزنا علانية ويفعلون ذلك سرّاً ، فنهاهم اللَّه عنه مطلقاً ، علانية وغيرها ، ولكن الأولى أنّ صيغة الجمع تتناول كلّ فاحشة ، سواء كانت زنا أو غيرها « 1 » . لعلّ من بطون معناه الكريم - واللَّه - سبحانه أعلم : ولا تميتوا النفس المجرّدة التي حرّم اللَّه موت ذاتها بالجهل ، وهو أعظم داهيةً من موت بدنها بهلاك الروح الحيوانيّة إماتةَ الجهالة والغواية « 2 » . ثمّ إنّه لمّا بيّن عليه السلام فضيلة العقل وكونه غاية خلقة الإنسان وأنّه تعالى ذكر آيات تدلّ على كون كمال الإنسان بمعرفة الحقّ وتوحيده ، ثمّ [ إنّ ] للجوهر المجرّد الإنساني قوّتين : نظريّة وعمليّة ، وكمال الأولى إدارك المعقولات سيّما صفات الواجب الوجود بالذات ، وكمال الثانية بتهذيب النفس عن الأخلاق الرديّة والتقدّس عن الشوائب الخسيسة والتحلّي بالصفات والآثار الكماليّة ، فأراد عليه السلام أن يشير إلى أنّه كما أنّ غاية الفكر والنظر حصول العقل وتكميل الجزء النظري من العاقل ، فكذلك الغرض الأصلي والغاية الذاتيّة في فعل الواجبات وترك المحرّمات أيضاً إنّما هو حصول العقل والعاقل بما هو عاقل لا غير . وجه آخر : أنّه عليه السلام لمّا ذكر الآيات التي وقع الحثّ فيها للعاقل على النظر ولم يذكر فيها العمل ، هناك مظنّة عدم احتياج الإنسان في تكميل ذاته وصيرورته عارفاً باللَّه وآياته إلى أن يعمل الصالحات وترك السيّئات ، فأتى عليه السلام بذلك ليعلم أنّ الكمال الإنساني كما يكون بالتحلية والتصوير يكون بالتخلية والتطهير . قال عليه السلام : وقال : « هَلْ لَكُمْ » « 3 » . [ ص 14 ح 12 ] أقول : لمّا ذكر الآيات الدالّة على التوحيد ، فأراد ضرب المثل فقال : « ضَرَبَ لَكُمْ

--> ( 1 ) . تفسير الرازي ، ج 13 ، ص 233 ؛ تفسير الآلوسي ، ج 8 ، ص 112 . ( 2 ) . شرح المازندراني ، ج 1 ، ص 115 نقلًا عن سيّد الحكماء . ( 3 ) . الروم ( 30 ) : 28 .