السيد أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي

84

الحاشية على أصول الكافي

جملتها قوله تعالى : « وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ » « 1 » والإنسان بحصّة حيوانيّته المشتركة من الدوابّ والبهائم ، وإنّما يزيد عليها بفضيلة صورة أخرى زائدة على الحيوانيّة بها يمتاز عن غيره . ثمّ إنّ الفرق بين هذه الآية والآية التي نقلناها في كيفيّة خلقة الإنسان وتدرّجه في الأطوار أنّ الكلام في الأولى كان من جهة الصورة ، وهاهنا من جهة المادّة ، فذكر اللَّه هناك صورةً بعد صورة متدرّجة إلى الشرف والكمال إلى أن انتهت إلى صورة هي أشرف وأكمل من الصورة السابقة التي كلّها من أطوار هذه النشأة ، وهي آخر أطوار هذه النشأة وأوّل أطوار النشأة الاخرويّة ، ولذلك أردف ذكره بقوله : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » « 2 » ؛ تنبيهاً على أنّ في أطوار الخلق ليس شيء أحسن منه ، وله أطوار أخرى داخلة في عالم الأمر . ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر كيفيّةَ تكوّن هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً ، والنطفة متكوّنة من التراب ، فذلك التراب صار نطفة ، ثمّ علقة ، ثمّ بعد كونه علقة مراتبُ كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الامّ الصغرى ، ويمكث في الدنيا التي هي بطن الامّ الكبرى ، ومقدار ذلك المكث وهو عمر دنياه ، كما أنّ تسعة أشهر ونحوَها كان مقدارَ مكثه في بطن امّه ، المستلزمِ لحركاته الكونيّة والكيفيّة . وأمّا عمر الآخرة ، فلا نهاية له . فترتّب هذا العمر على ثلاث مراتبَ حسبَ اختلاف استحالاته الكونيّة : أوّلها : أن يكون طفلًا . وثانيها : أن يبلغ أشدّه . وثالثها : الشيخوخة . وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ؛ وذلك لأنّ الإنسان في أوّل عمره يكون في

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 164 . ( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 .