صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

64

شرح أصول الكافي

وجودية كمالها وتمامها وغايتها على وجه لا يقدح في وجوبه ووحدته وبساطته ، وأكثر الناس لا يمكنهم ان يتصور والمعنى واحد ، انحاء متفاوتة من الوجود ، حتى انّ كثيرا من أهل النظر لم يدركوا انّ معنى العظم والصغر في المقدار ، كالخط الطويل والخط القصير ، ومفهوم الزيادة والنقصان في العدد ، كالعشرة والخمسة ، ومدلول الشدة والضعف في الكيف ، كسواد القير وسواد الفيل وكبياض الثلج وبياض العاج كلّها ، معنى واحد هو بعينه الكمالية والنقص في ذات الشيء ، سواء كان ذلك من باب الكم أو من باب الكيف أو غيرهما ، حتى أن الجوهر واقسامه أيضا قابلة للشدة والضعف . فانّ العقول المجردة أشد وأكمل جوهرا من الأجسام وصورها ، وان الحيوان الّذي حواسه أكثر وحركته اسرع أتم حيوانية وأشدها ، والّذي يحجبهم ويصدّهم عن ذلك كثيرا الاطلاقات العرفية ، حيث إن الناس لا يقولون في العرف ان عدد كذا أشد عددية من عدد اخر وان خط كذا أشد خطية من هذا الخط وان جوهر كذا أو حيوان كذا أشد من جوهر اخر أو حيوان اخر ، ومن كان نظر عقله أنور ، وقوة توحيده أتم ، يعرف ان شدة السواد والحرارة وسائر الكيفيات ليست إلا كمالية وجودها ، وكذا أعظم المقدار وكثرة العدد وقوة قوى الحيوانية ليس شيء منها الاتمامية الوجود وكمالية الذات لقسم من اقسام الوجود ، وكذلك القياس في الوجود الّذي لا أتم منه في طبيعة الوجود على الاطلاق ، فهو أولى بان يسمى أعظم من كل عظيم وأكبر من كل كبير واجل من كل جليل وكذلك في سائر الأمور والأحوال الوجودية . اللمعة الثانية في انه المبدأ للكل والغاية للكل فلا مبدأ له ولا غاية له . قوله عليه السلام : قبل كل شيء لا يقال شيء قبله وبعد كل شيء ولا يقال له بعد . وقد فرغنا من بيان كونه قبل كل شيء بوجوه من معاني القبلية وكذا كونه بعد الأشياء بوجوه يليق به .