صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

392

شرح أصول الكافي

وقوله عليه السلام : انى سمعت أبى يقول . . . إلى آخره ، المراد من قول أبيه أبى جعفر عليه السلام : ان من أراد في الأزل وكتب عليه في عالم التقدير ان يكون من الداخلين في هذا الامر وهو تولى أولياء الله والاقتداء بهم والاهتداء بنورهم ، كان في الدخول إلى ما قدره الله له وكتب عليه اسرع من الطير إلى الدخول في وكره ، لان كل مقدر كائن لا محالة ، وكل ميسر لما خلق له ، فان الغايات المقدرة كالأحياز والأمكنة الطبيعية ، لان من تولى الله وتولى أوليائه وأحب لقائه فهو يتولاه وهو يتولى الصالحين . اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . « 1 » واما غير هؤلاء من الطوائف والفرق فليسوا بمحل نظر ولى الوجود ومفيض الخير والجود ، فإنهم مع ولى الوجود وأوليائه في شقاق ، لأنهم متوجهون إلى غير ما وجه الله إليه أوليائه وعباده الصالحين ، ولهم غايات وهمية مجعولة زينت لطوائف من الناس ، فهم سالكون في لبس وعماية من غير بصيرة ولا دراية ، فهم ليسوا بعباد الله ولا الله مولاهم وسيدهم ، وانما أوليائهم ما تولوا به من الهوى والشهوات . قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً . « 2 » فمن كان غاية قصده ومنتهى سعيه الشهوة والهوى فله لا محالة ولى هو شيطان من الطواغيت يضله ويغويه كما ظهر من الحديث السابق من قول الصادق عليه السلام : ووكل به شيطانا يضله ، كما وكل الله لمن يهديه ملكا يسدده ، فان شئت سمعهم عبدة الطاغوت فقد نزل بكل ذلك القرآن . وانك لتعلم ان الغايات الجزئية والنظامات الدنيوية الوهمية تضمحل ولا تبقى متى هلك هذه الدار وانتقل الامر إلى الواحد القهار ، فمن كان وليه الطاغوت والطاغوت من جوهر هذه النشأة الدنيوية ، فكلما أمعنت هذه النشأة في العدم ازداد الطاغوت اضمحلالا ، فطاغوت الانسان من حين مات الانسان يأخذ متحركا في العدم وهو يتبعه ، لان الله يولى كلاما تولاه كما في قوله : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ « 3 » ، وهذا منه عدل على ما سبق ذكره .

--> ( 1 ) . البقرة / 257 ( 2 ) . الفرقان / 77 ( 3 ) . النساء / 115