صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

368

شرح أصول الكافي

بقوله : فان الله إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه ، إلى أنه تعالى إذا أراد في الأزل بعبد خيرا اى خيرا حقيقيا وسعادة أخروية وهي الحكمة الإلهية لقوله : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » ، جعل روحه طيبا شريفا علويا نورانيا ، فيكفيه الارتقاء إلى درجة العليا أدنى الأسباب . فلا يسمع معروفا الا عرفه ولا منكرا الا أنكره ، اى علم المعروف معروفا فصنعه وعلم المنكر منكرا فاجتنبه . وقوله : ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها امره ، إشارة إلى كمال النفس الانسانية بحسب القوة النظرية التي هي أفضل اجزاء النفس ويعبر عن ذلك الكمال تارة بالكلمة الجامعة كما في قوله صلى الله عليه وآله : أوتيت جوامع الكلم ، وتارة بنور الايمان الّذي يقذفه الله في قلب المؤمن وتارة بالعقل بالفعل والعقل البسيط كما في اصطلاح أهل الحكمة وتارة بغير ذلك من الأسامي والعبارات . فالمراد بالقلب هاهنا القلب المعنوي من الانسان وهي اللطيفة الملكوتية القابلة لنور العلم والعرفان وهي في اوّل الفطرة ساذجة عن صور المعلومات كلها مسماة عند الحكماء بالعقل الهيولاني ، وإذا حصلت فيها أوائل المعلومات واستعدت لاكتساب الثواني والنظريات يسمى بالعقل بالملكة ، وإذا تكررت فيها ملاحظة المعلومات وكثرت فيها الانتقالات الفكرية أو الحدسية من بعضها إلى بعض يستعدلان يفيض عليها من الله تعالى نور عقلي به يرى الأشياء كما هي وبه يستحضر المعقولات التي اكتسبتها متى شاءت من غير تكلف سعى وتجشم كسب جديد . وذلك النور هو المسمى بالاسامى التي ذكرناها وهو المراد بقوله : كلمة يجمع بها امره ، اى يستحضر بها صور معلوماته ، بل تلك الكلمة العقلية في ذاتها جامعة لجميع معلوماته على وجه أعلى واشرف من صور تلك التفاصيل التي هي العلوم النفسانية وهي مبدأها وغايتها ، وليس لاختيار العبد واكتسابه مدخل في حصول تلك الكلمة الجامعة والقوة النورانية ، بل هي موهبة ربانية كامنة أولا بالقوة في غرائز بعض النفوس بحسب ما قضى الله في الأزل ثم يستخرجها من مكمن القوة والبطون إلى مجلى

--> ( 1 ) . البقرة / 269