صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
304
شرح أصول الكافي
لا يكون الا بالقلم . فعند هذا يصرخ السائل ولم يقنعه جوابه وقال : قد طال تعبى في هذا الطريق وكثرت منازلى ولا يزال يحيلنى من طمعت في معرفة هذا الامر منه إلى غيره ، ولكني قد كنت أطيب نفسا بكثرة التردد « 1 » لما كنت اسمع كلاما مقبولا في الفؤاد « 2 » وعذرا ظاهرا في دفع السؤال . فاما قولك : انى خط انما خطنى قلم فلست افهمه ، لانى لا اعلم قلما الا من القصب ولا لوحا الا من العظم أو الخشب ولا خطا الا بالحبر ولا سراجا الا من النار ، وانى لا سمع في هذا المنزل حديث اللوح والسراج والخط والقلم ولا أشاهد من ذلك شيئا اسمع جعجعة « 3 » ولا أرى طحانا ؟ فقال له القلم : صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة وزادك قليل ومركبك ضعيف والمهالك في الطريق الّذي توجهت إليه كثيرة ، فالصواب لك ان تنصرف وتدع ما أنت فيه وان كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد فالق سمعك وأنت شهيد . واعلم أن العوالم في طريقك هذا ثلاثة : عالم الملك والشهادة وهو أولها ، ولقد كان الكاغذ والحبر والقلم واليد من هذا العالم ، وقد جاوزت تلك المنازل بسهولة . والثاني عالم الملكوت وهو ورائي ، فإذا جاوزتنى انتهيت إلى سائر منازله وفيها المهامة الفسيحة والجبال الشاهقة والبحار المغرقة ولا ادرى كيف تسلم منها . « 4 » والثالث عالم الجبروت وهو بين عالم الملك والملكوت ولقد قطعت منها ثلاثة منازل ، إذ في أوله منزل القدرة والإرادة والعلم وهو واسطة بين عالم الملك والملكوت يشبه سفينة التي هي في الحركة بين الأرض والماء . فقال السائل : قد تحيرت في امرى واستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ، ولست ادرى أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا ؟ فهل لذلك من علامة ؟ فقال : نعم ! افتح بصرك واجمع ضوء عينيك وحدّقه نحوى ، فان ظهر لك
--> ( 1 ) . الترداد « الاحياء » ( 2 ) . مقبولا لا في الفؤاد « الاحياء » ( 3 ) . الجعجعة : صوت الرحى والطحن بالكسر الدقيق . ومنه المثل : اسمع جعجعة ولا أرى طحنا . ( 4 ) . فيها « الاحياء »