صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
279
شرح أصول الكافي
الفعل واحدا بعد واحد فيصير في جميع ذلك الزمان موجودة في موادها والمادة كاملة بها . فالقدر عبارة عن وجود هذه الأشياء مفصلة واحدا بعد واحد في موادها السفلية الخارجية بعد ان كانت مقدرة في صحائفها العلوية بأيدي المدبرات النفسانية كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . « 1 » فتقرير السؤال على الوجه الأول : ان الله لما قضى وحكم علينا وأمرنا بصدور افاعيلنا من مسيرنا وموقفنا ومرجعنا كنا مكرهين في افعالنا مضطرين في أحوالنا كلها فلا ثواب ولا اجر لنا في فعلنا كما لا ثواب في الفعل المكره والمضطر . وتقرير الجواب : ان امره تعالى ونهيه وتكليفه ليس امر اجبار أو اكراه كما قال : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ « 2 » ، بل امره تعالى امر تخيير ونهيد نهى تحذير فلا ينافي امره ونهيه وتكليفه اختيار العبد في فعله وتركه ، لأنه في الحقيقة راجع إلى اعلام وتنبيه كأنه قيل : من فعل هذا فله الثواب ومن تركه أو فعل ضده فله العقاب ، وتقرير الكلام على هذا الوجه القناعى غير كاف في حسم مادة الاشكال . فالأولى ان يقرر السؤال والجواب بناء على تفسير القضاء بالعلم الأزلي فيقال : لما كان جميع ما يصدر عنا من الاعمال والافعال قبل صدورها مقضية مقدرة بهيئته وزمانه في عالم اخر مكتوبة علينا قبل وجودنا ، فلا يمكن لنا خلاف ما قدر لنا وكتب علينا فلا اختيار لنا في فعل وترك وطاعة ومعصية . وحينئذ يمكن تقرير الجواب على وفق ما ذكره عليه السلام بان : سبق علمه تعالى وجريان قضائه وقدره لا يوجب علينا الحتم والجبر والاضطرار ولا ينافي القدرة لنا والاختيار ولا أيضا حسن تكليفه وثوابه وعقابه ، لان معنى الاختيار ان يكون للعبد قوة فاعلية صالحة للفعل والترك يقال لها القدرة ، وقوة أخرى علمية مدركة للنفع والضر والآفة والشر في جانبي ما يقدر عليه ، وقوة أخرى إرادية باعثة تطيعها القوة المسماة بالقدرة بحيث متى انبعثت الإرادة لفعل أو ترك بحسب ما أدركته النفس وإذ عنته بقوته الادراكية اطاعتها تلك القوة ففعلت أو تركت ، وذلك امر لا ينافي علم الله تعالى بما
--> ( 1 ) . الحجر / 21 ( 2 ) . البقرة / 256