صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

255

شرح أصول الكافي

الغاية وكان لكل منهما نسبة إلى صفة القدرة والمشيئة فاستعير لتسمية البالغ إلى المنتهى اسم المحبوب ولبلوغه إليه اسم السعادة واستعير لتسمية الواقف دون غايته اسم المبغوض ولحالته في الوقوف اسم الشقاوة ، فمن سبقت له المشيئة في الأزل ان تستعمله القدرة الإلهية للانسباق « 1 » إلى الغاية والارتقاء إلى الدرجة القصوى ، وفقه الله لذلك هيئات له أسباب الوصول ويكون ذلك توفيقا وهداية ولطفا ورضا في حقه ، ومن سبقت له المشيئة الأزلية بالانقطاع عن الغاية والاستيقاف به دون البلوغ إلى الحكمة ، وذلك بتسليط الدواعي والبواعث عليهم ، فيكون ذلك قهرا وخذلانا وغضبا في حقهم واضلالا ، فهكذا كانت أحوال الفريقين في البداية والنهاية : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ « 2 » ، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ « 3 » ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ « 4 » ، ومن يضلله فلا هادي له من بعده . وكل ذلك بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب ، ولم يكن شيء من ذلك بخارج عن قانون القضاء ولا عن اتفاق وبخت وجزاف بل عن إرادة عازمة وحكمة لازمة وحكم جزم وقضاء حتم ، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء المتحتم بما سبق به التقدير . وقد مر سابقا : ان القضاء بإزاء الامر الواحد الكلى ولفظ القدر بإزاء التفصيل الغير المتناهى ، فهاهنا موضع الحظر والزلل لأكثر العباد ، ان القسمة لما ذا اقتضت هذا التفصيل واين انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفصيل ؟ « 5 » وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة هذا الامر ولا يحتمل كشفه فالجموا عما لم يطيقوا فهمه ولا يحتملون كشفه بلجام المنع فقيل لهم : اسكتوا ! فما لهذا خلقتم ولا بذلك أمرتم لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . « 6 » ومن كانت مشكاة قلوبهم ممتلئة نورا مقتبسا من نور الله في السماوات والأرض وكانت زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فمسته نار فاشتعل نورا على نور ، فأشرقت أقطار ارض الملكوت بنور ربها بين أيديهم ، فادركوا الأمور كما هي عليه

--> ( 1 ) . للانسياق - م - د ( 2 ) . الأعراف / 30 ( 3 ) . الحج / 18 ( 4 ) . الكهف / 17 ( 5 ) . التفصيل - م - د ( 6 ) . الأنبياء / 23