صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

253

شرح أصول الكافي

واما الثاني : فلان عدد تفاصيل المعقولات لا يكاد تتناهى ، وذلك لان أجناس الموجودات وأنواعها غير متناهية وكذلك المناسبات الواقعة بينهما « 1 » ، والمدركات بالحواس محصورة في أجناس قليلة ، وان تكثرت فإنما تكثرت بالموضوعات أو بالأشد والأضعف ، كالحلاوتين المختلفتين . واما الثالث : فلان المدركات العقل هي المفارقات عن المادة والصور الكلية المجردة عن الأجسام وغوائشها بخلاف المحسوسات ، وهي الباقيات الدائمات من غير تغير . وهذه هي الأمور الدنية الكائنة الفاسدة ، فإذا كان الكمالات العقلية أكثر وادراكاتها أتم ومدركاتها ارفع واشرف كانت اللذة والسعادة بحسبها أشد ، لان نسبة اللذة إلى اللذة نسبة الكمال إلى الكمال والادراك إلى الادراك والمدرك إلى المدرك . واعلم أن هذه السعادة العقلية هي سعادة المقربين الكاملين في العلم من افراد البشر ، وبعد هذه السعادة سعادة أصحاب اليمين وهم الذين صفت نفوسهم عن درن المعاصي والشهوات الدنية وسلمت قلوبهم عن الأمراض الباطنة ، فسعادتهم وان كانت حسية ومدركاتهم أمورا محسوسة من الجنة والحور والقصور لكنها خالصة عن المكدرات آمنة عن التضاد والفساد ، واردة عليهم من الأسباب العالية والجهات الفاعلية بلا مشاركة المادة السفلية واستعداداتها وجهاتها الوضعية ، فنعيمها دائم وسرورها ابدى غير زائل ، وهكذا قياس الشقاوة الحسية التي تقابلها في انها بعد الشقاوة العقلية التي هي بالاحتجاب عن الحق وهي نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ « 2 » ، وهذا هي المستولية على الجلود والأبدان ، وهي أشد ايلاما من كل تعذيب بنار حسية ، قال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ « 3 » ، تقديما للاحتجاب عن الحق تعالى على صلى النار . إذا تقررت هذه المعلومات فنقول : في هذا الحديث مسائل : الأولى : ان سعادة المرء وشقاوته ازليتان كما قيل : السعيد سعيد في الأزل والشقي شقى

--> ( 1 ) . بينها - النسخة البدل . ( 2 ) . الهمزة / 6 و 7 ( 3 ) . المطففين / 15 و 16