صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
239
شرح أصول الكافي
بتعاقب اشخاصها يستلزم الكون والفساد ومنشأهما وقوع التضاد فيما بين المواد ، وكون الحرارة ضد البرودة ليس بجعل جاعل ولا كون الرطوبة واليبوسة متضادتين بفعل فاعل ، بل التضاد والتفاسد بين موجودات هذا العالم من لوازم ماهياتها ، وانما شأن الحق الأول إفاضة الوجود على كل قابل لا غير وإليه الإشارة بقوله تعالى : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، يعنى ان كل ما أصاب الانسان من حسنة أو سعادة في الدنيا والآخرة فهو من إفاضة الله وفضله وكل ما اصابه من سيئة وشقاوة وشر وآفة فهو من قصور نفسه ونقصان قابليته عن قبول الجود الأتم والفيض الأعظم . الرابعة ان جاعل وجود الشيء ومبدع ذاته أولى بذات ذلك الشيء وما يصدر عنه من باب الفضائل والحسنات من ذاته . لما مر سابقا ان نسبة الشيء إلى نفسه بالامكان وإلى فاعله بالوجوب ، فان وجوده في نفسه مع قطع النظر عن موجبه وجاعله بين ان يكون وان لا يكون ونسبته إلى موجبه وجاعله بالوجوب والايجاب والنسبة الوجوبية اكد من النسبة الامكانية . ثم كلّما كان الفاعل أعلى مرتبة كان ايجابه وتأثيره في المعلول أقوى ، ففاعل الفاعل والفاعل البعيد أقوى ايجابا وأشد تأثيرا في المعلول الأخير من الفاعل القريب . واعتبر بالنور الشديد الشمسي إذا اجتمع مع الأنوار المتوسطة والمنعكسات من سطوح المرايا وغيرها في إنارة موضع فان الوسائط مضمحلة التأثير معه في الإنارة ، فهكذا القوة الظاهرة الواجبة لا تمكن الوسائط الفاعلية في استقلال التأثير والايجاد وهو المشار إليه بقوله تعالى : وذلك انى أولى بحسناتك منك . الخامسة ان نسبة القبائح والسيئات إلى مباديها القريبة المزاولة لها أولى من نسبتها إلى المبدأ العالي ، لما سبق ان شأن المبدأ الاعلى إفاضة الوجود واعطاء الخير والجود لا غير ، والنقائص والشرور من لوازم الماهيات المتنزلة في عالم التضاد ، فالموجود كلّما بعد عن منبع الخيرات ونور الأنوار نقص وجوده وقلت خيريته وضعف نوره وهكذا إلى أن ينتهى إلى المواد الظلمانية ومعادن الشرور والآفات وإليه الإشارة بقوله : وأنت أولى بسيئاتك منى .